الاثنين، 4 أبريل 2011

ديوان كان عمري ستاشر ربيع

أبويا


ماعرفتش قيمته غير بعد مامات
غير بعد الوقت ما فات بكتير
ما سمعتش صوته
غير بعد ما بطل ينده
ع الورده الدبلانه ف قلب أجنده عبير أطلاله
كان طيب جدا وف حاله
إن يضحك
الفجر النايم يصحى له
والصبح يشقشق
وتزقزق عصافير
وتطير فراشات حواليه
ما بكيتش عليه
واشتقت إليه
غير بعد ما فات علي ذكري رحيله
صيفين واربع أعياد
ما وقفتش علي روحه حداد
غير بعد ما سافر قلبي بلاد الحزن وعاد
مكسور الجناحين
غير بعد ما شفت ديابه تحت جلود البني ادمين
مش كنت تقول يا با
إن الغابه أرحم من غدر الا صحاب
مش كنت تشد وراك الباب
بعدك يابا
مت من البرد وم الرعد وم الريح
وغرقت ف دمع التماسيح
ملايين المرات
مش كنت تسيب
تواشيح الفجر فريح
أمسيات أحزانى
مش كنت تقول يابا
إنك رايح مش راجع تانى
مش كنت تسيب
حضنك مبكى لأوجاعى
أو ضهرك عكاز لدراعى
من غيرك يابا
الدنيا ما فيش داعى أعيشها
من غير ريشها العصفورة تطير إزاى
من غير الناى
الراعى يموت
كان هادى الاعصاب و بيعشق عبد الوهاب
ويغنى معاه خى
وف كل صلاه
واقف ف الصف الاول زى المشكاه
كان جدول حنيه
كان دايما يلبس جلابيه وطاقيه شبيكي
كان أجمل وقت
لما اشرب كوباية شاى وياه ف البلكونة
في ليلة صيف
عمري ما حسيت بالحر غير بعد ما مات
وكأن وجود الاب ف قلب البيت تكييف
كان يطبخ أحسن من امهر شيف
كان يفتح حق التونة من غير سكينة
كان دايما يحكي عن أيام الجيش
أجمل أيام في حياته
بعد اصحابه ما ماتوا ما قدرش يعيش
فاكر يابا
ولا نسيت علي غير العاده
حتي نسيت فوق الكومودينو ومت
العيش الفينو
طبق الفول
قرطاس الطعمية ابو نص جنيه
فنجان القهوه الساده
كيس الادويه
السبحة
المصحف
الراديو
الجرنان
وسجارة الكيلوباترة الوالعة ف قلب الطفاية
والشمس الطالعة تصبح على شيش شباكك
فينك يابا وفين اراضيك
أخبارك أيه؟
يعني ما حدش شافك من سنتين
كل ماارن عليك بتكنسل ليه
مابتسألش علينا
قلت اطلع أجدع منك واسأل
إحنا تمام
بس الايام من غيرك
مش ايام
طبعا خلصت علام
وبقيت دكتور زى ما كنت بتحلم
اتخصصت ف طب الباطنة
لأ
ما فتحتش لسه عياده
لأ
ما اتجوزتش لسه
لما انوى أكيد هتكون أول واحد يعرف
ابا
قول انك بتهزر
ممكن ما تجيش إزاي
قسما بالله مانا متجوز من غيرك
علي رأيك
وقتها تفرج
ماشي الحال
مستوره وعال
شايلك لكبيره
قدها وقدود
ربنا موجود
شغال دالوقت ف مصر
في الملك الصالح
بعد السيدة زينب علي طول
من غير ماتقول
والله بازورها
وباصلى الجمعة ف جامع عمرو
لأ
ما عقلتش
لكن مش عايزك تزعل منى
غصبن عنى
مش عارف أبطل تدخين
وقرايه وكتابة شعر وسيما
مش عارف أوفر قرشين
مش عارف أشيل حب النسوان من دمى
أمى بخير
واختى بخير
كنا ف سيرتك لسه امبارح باليل
ماشي خلاص
خالى السيد سلملى عليه
عارفك مستعجل ليه
بس اهدى شويه
قلبك تعبان
لتموت تانى






















كان عمرى ستاشر ربيع

كان عمرى ستاشر ربيع
لما بست بنت الجيران
بوسة
لسه ف شفايفي طعمها
والبنت قالت لامهاوكانت فضيحه
ابويا لمها
بس من يومها بقيت مهووس
يعني اموت
لو مر يوم
من غير ما ابوس


كان عمرى ستاشر ربيع
لما دخنت أول سجاره ف الحمام
أجمل سجاره شربتها
والريحه ابويا شمها
وخدت علقة ما نسهاش
وعرفت يومها البيتادين والشاش
بس ما عرفتش أو جايز عرفت
إنى هاكون دكتور
رغم أنى ما ليش ف العلم
يا هل ترى الصدفة بتلعب دور
ولا هى اللى كاتبه كل الفيلم


كان عمرى ستاشر ربيع
لما قريت أول ديوان
وركبت مركب ورق
وسافرت بلاد بعيده
واصطدت أول قصيده
من كف بنت اسمها مياده
من يومين كنت قاعد ف العياده
ولقيتها داخله بابنها
وف عينها كحل الذكريات
تخنت واوحشت جدا
زى كل الامهات
بس لسه باحبها
لسه شايف إنها ست البنات

كان عمرى ستاشر ربيع
لما ابتدى ظهورى ف الجامع يقل
وفجورى يزيد
كل الكلام ف خطبة الجمعة ممل
عايز جديد
وعرفت ماركس
وصاحبت سارتر
وعشقت نيتشة
وكرهت هتلر
وعجبنى خالد بن الوليد

كان عمرى ستاشر ربيع
لما ابتديت أنى افكر تفكير شيطانى
واسأل أسئله مالهاش إجابه
واكره كل أشكال الرقابه
كان نفسى ف طبيب نفسانى
يديني جلسة كهربا
الشعر أيه
لعنه ولا موهبه
والدنيا أيه
غابه ولا طيبه
والشمس رغم البعد باينه قريبه ليه
والبنت لما تحب
سافله ولا مؤدبه

كان عمرى ستاشر ربيع
لما ابتديت أعشق السيما بجنون
واعشق قعدة القهوة بجنون
واخلق لنفسى دنيا تانيه
وكون تانى
واملا كشكول المذاكره
بالأغانى العاطفية
واظهر بالهدوم الداخليه ف البلكون
واتلصص على صدر جارتى لما تنشر ف الغسيل
واعشق كوبري قصر النيل
وارفع على الاخر صوت الراديو والتسجيل
واسرق فلوس الدروس
واسهر أبوس ف المخدة
واغنى ويا كاظم يا مستبدة
وويا فؤاد الحب الحقيقي
ويبقي صديقى هديل بنت حلوه ف التلفون
والفاتورة تقسم ضهر أبويا كل ست شهور
ألف رحمة ونور عليه
مات محسور
وارجع كل يوم البيت بعد نص الليل
بس انام بعد ما اسمع للمحاضره
واكره أي حد يقوللي ذاكر
مستقبللك هيضيع
والبس سلسله وإنسيال
وجينز ضيق
وشوز توكيل
واعمل مشكلة ويا امى لو تشيل
أي حاجة تخصنى من مكانها
واكره دلعها
واكره حنانها
واعمل كبير
واكره أبويا لآنه فقير
واحلم إنى صرت م المشاهير
والزق بوستراتهم ع الحيطان
كنت حافظ كل إفيه قاله هنيدي ف صعيدي
لما كان عمري ستاشر ربيع







عادل إليا

لوشفته تقول
إنسان غلبان علي باب الله
مش دكتور
دقنه
لبسه
نضارته
والمشية بتاعته
مشية ناي مكسور
والطقم بيفضل لابسه ييجي ست شهور
دايما ماشي بكيس متكرمش
حاطط فيه السماعة وجهاز الضغط
والآكل والآدوية
ماتجبلك شنطة يا عادل
أحسن من أم الكيس ده
يضحك
ما يردش
ويولع ف سجاره
طب خد منديل امسح أم النضاره
يضحك
ما يردش
ويولع ف سجاره
واعرف م الناس
إن باباه كان أستاذ دكتور ف القصر العينى
جده كان باشا وإقطاعى كبير ووزير
ف وزارة أحمد ماهر
واعرف منه إنه عايش مع أخته واخوه
ف المنيل
ذات مرة
رحت معاه البيت
الفيلا اللى ساكنها
ايه ف فن المعمار
كل جدار ساند ع التاني بحب
والسقف تحس بإنه مش موجود
منك للسما علي طول
والصالة ترمح فيها خيول
والشبابيك
بتطل علي نهاربيزقزق طول الليل
بالنهر الخالد والجندول
ذات مرة
ونا قاعد مخنوق
طبطب علي كتفي وقاللى بصوت
هو الحنية بذاتها
ما تخيبش الخيبة بتاعتى
قرر من دلوقت
عايز الطب ولا كتابة الاشعار
أنا شايف إنك موهوب
لكن محتار
الحق نفسك
واجمع خطاويك وارميها ف نفس المشوار
ماتخيبش الخيبة بتاعتى
كوكو ابن اختى
هو اللى مخلينى أعيش أيامي الباقية
هو الياسمينة اللى بتكبر قدامى
هو الساقية اللى بتروى عروقى الدبلانة
لما بيركب فوق ضهرى
ونسافر للنجم العالى
الضغط بيتظبط من غير برشام
والروماتيزم
بيحاول يوجعنى بعزم ما فيه
ما بيقدرش
اتجوز يا محمد
قبل العمر ما يسرق
عناقيد النور اللى ف وشك
قبل ما يخنق كتاكيتك
أنا حبيتك علشان إنت صريح
ما بتعرفش اللف ولا الدوران
عامل صايع
لكن من جواك غلبان وخجول
زيى زمان
وعرفت بنات
أكتر م اللى انت عارفهم بكتير
واجمل بمراحل
وكمان كان عندي الشقة والعربية
والجيب عمران
كان عادل إليا جان طب القصر العينى زمان
كان عندي فضول
وقريت في جميع الآديان
وقريت القرآن
حبيت سيدنا محمد حب عبادة
حبيت بوذا وكونفشيوس
وكفرت بدين
وآمنت بكل الأديان
لكن لانضميت لجماعة االإخوان ولا حاجه
كل الفكرة
كان عندي فضول
أعرف أفكارهم أيه
وف مرة ونا وياهم
طبوا علينا بتوع أمن الدولة واعتقلونا
ياجماعة
أنا عادل إليا مسيحى
وكأنى بانادي ف مالطة
وبسببى
ماما
ماتت بالجلطة
كانت أيام الله لايعيدها
دلوقتى إحنا ف نعمة
الواحد يقدر يتكلم
من غير ما يخاف زى زمان
دولا
إوعى تكون بتضايقك أسئلتى
أبدا
بطلت أزعل من كتر الا حزان
هاعمل شاي
أعملك ويايا
عمرك أطول من عمرى
أنا فعلا خرمان
دولا
ليك هوايات
باعمل شوبنج
مش معقول
عمري ما شفتك جايب حاجه جديده
لأ
مانا باشترى شرابات
دمك زى الشربات

إمبارح واحنا بنمضى قابلته
دولا
إزيك
فينك من أسبوع
أخويا ياسيدي
كان بيهد البيت
قالها بدون مبالاة
وانا عارف إنه بيتقطع من جواه
طبطبت عليه
وحضنته
فرت من عينه دمعة وحيدة
مسحها بسرعة
شد سجارة من العلبة البوكس
حاول إنه يولعها كذا مرة
يطفي الكبريت قبل ما تولع
إيده بترعش
فرت من عينى كذادمعة
وبحزن شديد
قمت ناولته الولاعة
ولعت
لكن وقعت من بقه ع الارض
طلعت من الكيس المحطوط علي حجره
السماعة
حطيتها علي صدره
ما سمعتش نبض لكن فجأه
اتكلم
علي فكره
مش اول مرة أموت
أنا مت كتير وصحيت










ديوان



كان عمري ستاشر ربيع




شعر
محمد فهمي











نفسي

نفسي لما الشعر أقوله
يقع الهوي من طوله
والبدر أطوله
والمجد أنوله
زي عطر السوسنه
وتدوب قلوب كل الصبايا
ويصير غنايا فوق شفايف كل عاشق دندنه
ويصير بكايا كاس سعادة
يشربه كل دامع بالهنا
ويصيرصديق للوحيد
ونقطة نور
نفسي لما الشعر أقوله
الكلام يطرح زتون
ويطير حمام بين السطور
وتصير كراسي السادة الحضور
أشجار ربيع
وتتفجر الينابيع من السجاد
ويسقف نزار قباني
ويهتف فؤاد حداد
وترقص عقود الماس علي صدور الزهور
وتسكر كاسات الحنين
والناس تقول
قلت يابني
كل اللي كان نفسنا نقوله ومش عارفين










سهر الليالي

القافلة سايرة
والكؤوس المرة دايرة الدور
وقمرنا ياسهر الليالي طافي النور
وأملنا باني قصور رمال
وطيورنا طايره للمحال بجناح كسير
ووفاءنا وهم كبير
وصلاتنا للإخلاص
تكفير ذنوب
وجراحنا وان صارت ندوب أليمة
مش شغل سيما يا ناس
ولا كاس في بار
ولا كيس فشار
دا الحب لعبة استمرار وفوبيا
وعمك افلاطون كان بيضحك ع الدقون
باليوتوبيا
وليلنا كوبيا وسادة ووسادة خالية
والعقل رغم إنه نضيف
بس مش عايز يفكر
أو يكسرتابو جنس قافل بابه عليه
وباني جدار ما بين الروح والروح
ما بين الدوح وأزهارها
وأسراره رافضة تبوح بأسرارها
والقافلة سايرة ف مشوارها تنوح
إمتي تاخد تارها م الطوفان
سفينة نوح
يا سهر الليالي






نصيحة الاخت ميادة

ياااااااااه
ماتغيرتش خالص
نفس الضحكة
نفس الصوت
نفس اللمعان اللي ف عينك
وهدومك نفس الالوان
أزرق
كحلي
سماوي
والله زمان يا محمد!!
أخبارك
فينك دلوقت
لساك بتحب الشغر
لساك مجنون
كل قصايدك عندي
حافظاها
بتفكرني بأجمل أيام ف حياتي
بالسيما
بالمشاية
بطب المنصورة
بالضحكة بتاعتك
جوزي
زى حالاتك وحالاتى
دكتور
تخدير
طيب جدا وف حاله
ودا عيبه وميزته ف نقس الوقت
أهلاوى
علمنى أتفرج ع الماتشات
وكمان علمنى العب طاولة
نخرج مين يابني إنت عبيط
حد بيخرج ويا مراته
لأ
مابيقراش غير أهرام الجمعة
بس ساعات بيحل الكلمات المتقاطعة
عندي محمد
لاسع زيك
ونادين
عقبالك
م الحق معايا صورهم ف الشنطة
اعقل واتجوز
سيبك من أفكار العقاد وأنيس منصور
دا يودوا ف داهية
لازم نمشي زى الناس ماهي ماشية
لأ
مش مبسوطة يا سيدي
لو فكرت للحظة ف حالي
هاخرب بيتي بإيدي
بطلت اسمع فيروز ومنير
بطلت اقرا نزار وجويدة
بطلت اعمل كل اللي باحبه
البيت أولي بتمن الجرنان
ياااااااه
الوقت سرقنا
كان نفسي اتكلم وياك للصبح
ها ستأذن
كلمة أخيرة من أختك ميادة
اعقل واتجوز
أمتع شئ ف الدنيا إن يكون عندك أولاد
واختار أساميهم انت بنفسك
طول عمرك شكاك
عارفاك
نمرة تلفونى معاك
إياك تتكلم







رسالة حب إلي عبد الرحمن الابنودى


كان نفسي اشوفك
واقعد معاك
علي شط نيلك
كان نفسي أخطف
من ضي ليلك
ونس
للوحدة وجذوة نار
كان نفسي أخطف
من صهيلك
فرس
أفتح به طروادة الاشعار
كان نفسي أعرف
هو ليه
الشعر طاب
فوق نخيلك واستوى
من أدان ديك الهوى
فوق الجدار
ديك النهار
من غنوتين
من ضحكتين
غرقانين ف الهزار والشجن
كان نفسي أعرف
هو أيه اللى بينك وبين الوطن
وليه انت بالذات
اصطفاك وخلاك
صوته
وقت الإنتصار والانكسار
واستوطنك
لما هاجر م الحصار
واستأمنك لما حب يسيب النهار
ف إيدين أمينة
الشعر يا رمان
بوصلة ف سفينة

زرقاء يمامة
الشعر عارف
أمتي هتزول الغمامة

والحلم يرجع بالسلامة
من غربته
من يومه عارف سكته رمان
زى لامبو وقطته
ع الجسر ماشي
كالقمر حافي تحت شمس بؤونة
والبالونة والصنارة تحت الباط
والترعة
عياط الفلاحين
والخطوة واثقة
والنظرة عاشقة
ضحكة الناس الطيبين والغلابة
ف النجوع والكفور
والكتابة
مش بصابع موز
وجوزالهند
وعود بخور
الكتابة
مادنة نور وظهور مسيح
والوقوف ف وش الريح
والمشي فوق الصفيح الساخن
والتحدي للمداخن والغباروانتحار الموهبه
بالمفردات الطيبة والموالسة










الارض بنت جميلة
لكن منتهي الاد ب
والفجر مهر
والقمح الدهب
والزفة صبايا بيغسلوا المواعين
والعريس فاس
مصنوع من دموع العجين
ومن خشب الجراح
في صدر فلاح
بكرة الصباح
يطلع
من شقوق رجليك
من بصيص الامل ف عنيك
من عرق باطك
وإحباطك
من ورق غنواتك
من صلاتك فوق شوية قش
وقت رش القطن
وقت جمع الدودة
ما ماتتش يامنة
يامنة لسة موجودة
قاعدة عند الفرن
تخبز البتاوى
لاجل تكتب عليه غناوى الثورة يارمان
واجمل غناوى الشوق
إنت ساكن تحت
ولا ساكن فوق ويا النجوم
إنت زى الطيور بتطير
ولا زى السمك بتعوم
كان نفسي أشو فك
واقعد معاك
يا هل تري حلمي
ممكن يبقي حقيقة ف يوم





رحيل دون كيشوت

شقت جيوبها الغمامة
رقت قلوبها الحدايق
والموت حمامة
تحت جناحاتها حرايق
ودموع خلايق ياما
والموت نعامة
دافنة راسها
في مداسها
وان حد داسها
بتقوم قيامة
والموت جرادة
بتقرقض دهبنا
وتصحي عذابنا
وتقابل غضبنا بابتسامة
الجداول أرامل
والسنابل يتامي
يا قهوة سادة
بتشرب وجعنا
إدي للعبث معني
يا أهرامات
فين الفراعنة
فين قريش يا تهامة
فين هابيل يا قابيل
الحزن ضحكة عزرائيل
والعويل هديل الرماد
مين اللي مات يا ولاد
سأل المداد المشربية
سألت جوامع في شوارع الحلمية
دمعة فوق خد الصبية زيزنيا
اللا بسة توب الجهامة
جاوب سواد الليل
جاوب حداد الخيل
جاوب سهاد النيل
مجروح المشاعر والكرامة
غرقت العوامة
لكن أسامة
حي
صوته
ضي وعلامة
وعينه
زرقاء يمامة
في صحاري الشعوذة
لو حد يسأل هو فين
ما تشعروش با لأذي
قولوا بياخد عزا الشذي
في الرجولة والشهامة
قولوا بيدفع جزا الأستذة
قلبه غرامة
قولوا تسامى
ع الدنية
والخطية
والمنية
لكنه عمره ما باع القضية
أو تعامي
عن ألمنا أو أملنا
في الوصول شط السلامة
لكنه عمره ما مد إيد ه الشريفة
أو حني هامة
قدام خليفة أوعمامة
قولوا قلب الوطن مدبوح
وراح يركب له دعامة
ما تقولوش مات أسامة
زينة شباب حتتي
وعمدة قريتي الطيبة المظلومة
والموهبة المهمومة والهمامة
ما تقولوش مات أسامة
قولوا بيكتب ملحمة
ع الا بالسة والملايك ف السما
قولوا قاعد ويا دانتي والمعري فوق غمامة
بيدردشوا لحد ما تقوم القيامة
ف الكوميديا والليالي والرسالة ما تقولوش مات أسامة
نجوم العصر

سبحان الله
أفشل واحد ف زمايلي
بقي معبود الجماهير
سبحان الله
جون واحد
خلي البيت الطين إتحول قصر
والعربية اللي راكبها
بمرتب كل دكاترة مصر
ف الوقت اللي انا كنت با ذاكر فيه
واحرت ف بحور الفيزيا
كان بيعط ف سيما النصر
كان بيشوف حمام الملاطيلي
للمرة المليون
مين انت يا شامبليون
جنب زميلي
اللي بقدرة قادر
فك رموز اللغوة المكتوبة
علي حجر العصر
والله خسارة يا أحلامي
اقرا علي روحك حتي الفاتحة
هادخل معهد سيما يابابا
عايز تدخل أيه يابن الفالحة
طب هادخل إعلام
ادخل نام واتغطي كويس
واغرق ف جراحي وأحزاني
وانانايم صاحي
أرمي وداني
ابنك بيهلوس يا سعاد
شكله كده ملبوس
بكره الصبح تجيبي بخور علشان ترقيه
بعد الشر يا فهمي
بتقول كده ليه
معقول
يا خراشي يا ولاد
مش جايز يعني
بيهلوس من كتر الاجهاد
مش جايز دواوين الشعر اللي بيقراها
لحست عقله
جايز جدا
كل الشعراء مجانين ومخاويين إبليس
من بكره الصبح
تاخديهم تديهم لأمينة بتاعة الطعمية
تعملهم قراطيس
ودخلت الطب
بقيت دكتور
بالبس بالطو
بامضي حضور
ولأني جبان
وعشان ما دافعتش عن حلمي بإصرار
أفشل واحد ف زمايلي ستار
وانا واحد م الجمهور





















رسالة إلي ابني

إزيك يا بني يا للي ما تعرفنيش
ها حكيلك عني وبكره تعيش وتشوفني
مع إني لحد الآن ماقابلتش مامتك
وعظمتك عارف
لكن مش راضي تقول
وهتفضل طول عمرك كائن مجهول بالنسبه لي
قبل ما تيجي وعلي بالي
وشايل همك
وبادور علي مامتك بين ملايين
قبل ما تبقي جنين بتعيش فين
يابن الكلب
جبت اللؤم دا كله منين
عايز تعرف من دالوقت عظمتك هتعيش فين
والله ما عارف
دايما ابوك متهور وبيفتح علي نفسه بيبان
مابيعرف يقفلها
يابن الكلب
من أولها عرفت إزاي تكتمني
من أولها قريت شخصية ابوك
دكتور الباطنة الصعلوك
والفاكر نفسه ابن ذوات
والصايع
والضايع
واللى مقضيها بنات وحشيش
بكره تعيش وتشوفني
م البيت للجامع
وتشوف فوق قورتي زبيبة
وتشوف الطيبة ف عيني
ومش هتشوف كل ذنوب وخطايا شباب محروم
وهاقولك صلي
وهاقولك صوم
وهاقولك قوم ذاكر
وها كونلك أنا وامك ناكر ونكير
وهاطلع دينك وانت صغير
وتطلع ديني وانت كبير
وهاحبك جدا
وهاقولك عيش حقق احلامي
ما تكسفنيش
وادخل طب
رتب ع الدفعة
واتعين ف الجامعة
لاجل ما تبقي طبيب مشهور
وهاقولك لف ودور ف الساقية ياتور
وهاموت لو فكرت تثور ع الحزب الحاكم أو ع الدين
وهاموت لو تبدأ تد خين وانت ف إعدادي
عايزك هادي وتمشي جوار الحيط
عايزك تبقي بسيط
ما تكونشي معقد زيي
عايزك تحرق أي قصيدة
أي رواية
أصل الفن بعيد عنك وعن السامعين
مسكون شياطين
لو تمشي وراه
مش هتطول لاسماه
ولا سقف الناس العاديين
خليك معني بذاتك
ما تضيعش حياتك تجري ورا أحلام كدابه
اجري ورا أحلام ملموسه
دنيا الفن دي غابه
عايزه نفوس مهووسه
بحب الشهره
وحب الموت
ما نكرش الفن إدالي المتعة
كان شمعة ف ليلي ودليلي ف صحرا الاحزان
وكمان كان خلي وضلي وشاش علي قد جراحي بالمللي
مانكرش كمان
هافضل احبه أكتر منك يابني
ياللي ما تعرفنيش
بعد ما اموت
هيعيش فني وانت ما تلزمنيش


الناس ف شارعنا


لما طلعت الاول ف الثانوية العامة
كل الناس ف شارعنا
غنوا ورقصوا ف الوسعاية
لحد الارض ما قالت بس كفاية
والشبابيك
ودنها وجعتها من الزغاريد
والشمس
نزلت غنت أجمل أناشيد الفرحة
ولا عايدة الشاعر في زمانها
والبدر وراها بيعزف ع العود


لما عملت الزايدة
كل الناس في شارعنا
كانوا واقفين علي نبض قلوبهم
علي باب مستشفي سمنود


لما أبويا اتوفي
كانوا بياخدوا عزاه مني
كانوا بيبكوا بدالي


كل الناس في شارعنا
ياعم
يا خال
يا عمة
يا خالة
واخوات اصحابي اخواتي ف كل الاحوال
وقت الاكل ما يتحط
اقعد كل ويا اخواتك
دانت حماتك بتحبك



ما عرفتش إني وحيد
غير بعد ما خدت الاعفا من التجنيد
ما عرفتش برشام النوم
غير لما بدأت أنام ف سرير غير
اللي امي ولدتني عليه


في شارعنا بيبان الدور ما لهاش مفاتيح
زق الباب وادخل
مكسوف من أيه
عيب
ما يصحش
هو انت غريب

في شارعنا الناس
بيصونوا العيش والملح
بيربوا طيور ع السطح
ولسانهم بلسم ع الجرح
وقلوبهم طرح البحر
وطيبتهم
كالورد النابت ف الاسفلت
كالشمع الوالع ف الغيط الضلمة

في شارعنا الناس
رجليهم ف الطين
بس عيونهم باصة لفوق
اخر شفطة ف كوباية الشاي
بيقولوا عليها الذوق
بيسموا بناتهم بدرية وشوق
ويسموا ولادهم
علي اسم اطهرمخلوق



انا مديون للوسعاية
باجمل ايام ف طفولتي
للبحر اللي شارعنا بيطل عليه
طلة عاشق هيمان
ترابيزة البنج ف صالة النادي
كوباية اليانسون على قهوة عم الشحلوت
اشجار التوت والجميز ع الجسر
مهما تقسي
ليكي ألف جميل يا مصر





























ستي فهيمة

أمك أميرة وطيبة وغلبانة يامحمد
والنبي تشيلها ف عيونك أمانة
بلاش تزعلها وتخيب أملها
ما عادش ليها بعد ابوك ف الدنيا غيرك
ما عادش ليها بعد اخوك ف الدنيا غيرك
اجدعن كده وشد حيلك ف المذاكرة
امك لما تشكيلي من قعادك لوش الفجر
برة البيت
دا من خوفها عليك
بكره لما نموت
هتحس بقيمتنا
وتشتكي لعضم تربتنا مواجعك
بكره هتخلف وتعرف إن الضني غالي
بكره الليالي تعرفك قيمة الاهالي
أبوك ألف ورحمة ونور عليه
كان أمير
كان فقير اي نعم
بس عاش طول عمره مرفوع الجبين
وانت طالع جاحد لمين
وليه
طب بيعلموكم ف المدارس ايه

امك اميرة وطيبة
والزمن دوقها مر كتير
بلاش تزعلها
وتخيب املها الاخير

اختك سيدة زورها من وقت للتانى
الواحدة من دول بتتباهي بدخلة اخواتها عليها
قدام اهل بيت جوزها
بتتحامى فيهم من قسوة الايام
اهلك ناس علي قد حالهم
لكن علموك أحسن علام
دخلوك الطب
كل اللي انت عايزه بتلاقيه
اقلام
دفاتر
مساطر
دروس خصوصي
اشيك هدوم
احدث موبايل
يبقي يابني ما تستعرش منهم
بكره تتخرج وتعرف القرش بيجي ازاي
قوم فز اعملنا شاي
وناولني حباية اسبرين من فوق الدولاب
صدعت راسي
والكلام
لا منه فايده ولا منه عايده
وطفي اللنده اللي قايده ف وسط الد ار
نور ربنا كفاية
ولاانت بتقول ستي عامية مش شايفة
ياواد يابن فهمي
دانا قبل ما سمع دبة النملة باشوفها
وباعرف الساعة بالثانية م الشمس والضلة
علي بسطة السلم
سيدك كان معلم وابن سوق
وكان بصباص وخباص
وعيونه ما يختشوش
علمته يمشي ع العجين ما يلخبطوش
ستك فهيمة
كانت قوية ومفترية
ونظرهااللي راح ما راحش من شوية
غيرشي الشقا والفقر
ولا كان هيقدر عليا حتي الموت
ما كانشي مية ف البيوت
ولا كان فيه نور
كنا بنقول يا دكتووور للمزين
والواحده تتعب تخاف تبين
ليحجزوها ف المستشفي
كان زمن مطين بطين
خلفت سبعة
اللي مات ساعة الولادة
واللي مات بالكوريرا
دلوقت الطب اتقدم
والناس اتنوروا كتير عن زمان
سيدك الله يرحمه لو عاش وشاف
التلاجات والغسالات والمراوح
والورقة ام ميتين جنيه
كان قاللي الحقي يا فهيمة
اجري استخبي
يوم القيامة قرب خلاص

اجدعن كده وشد حيلك ف المذاكرة
عايزه اتباهي بك
وادخل أي مستشفي أقول
أنا ست الدكتوووور محمد
وان حد جاب سيرتك مرة قدامي
أقول دا ابن بنتي

ياااااااه
ياستي
رغم موتك من زمااااااان
صوتك لسه بيرن ف وداني
زي ما تكوني لسه عايشه


















جنتي المفقودة

كانت وما زالت حبيبتي و جنتي المفقودة
والملهمة لأشعاري
وذكراها عصافير
نايمة علي رموشي
ومشواري
كل خطوة فيه بتوجع عيون ما نا موشي
من يوم عيونك يا حبيبتي
ما ناموا ما صحيوشي


وف عز يأسي بافتكرها الامل يرجع
والفضا يوسع
وتزول الهموم
مافتكرشي ف يوم
قالتلي كلمة جارحة
كلامها كله برتقاني
الشنطة والساعة والطرحة
برتقاني
والدنيا فاتحة حضنها
ومداريه حزنها تحت ضحكة برتقاني


بعد ما تخلص كلامها
تبتسم
تضحك ضحكة خجولة
ضحكة مزيج م الهديروالهديل والطفولة
كنا لسة ف اولي جامعة
والدنيا واسعة وبراح
والصباح اطعم كتير م النسكافيه

والجنيه
كان يملا عين سواقين التاكسيات
ايامها كانوا بيضحكوا ف وش الزباين
والجرسونات ف الجناين
والبنات ف المكتبات
كانوا تمللي بيضحكوا ف وش الزباين
ضحكة خالية م الغرض
زي ما يكون المرض
صاب حبيبتي
وصاب البلد في نفس ذات اليوم

يا هل تري فاكراني
باوحشها
قد ما هي واحشاني
طب ايه حايشها
تيجي وتطبطب على اكتافي
وتضمني ف حضنها الدافي
تخبيني عن عيون البشر
واخبيها عن عيون الزمان


معقول سكوتك يا حبيبتي
هيفضل للأبد
يارب ليه تخلق ساعات إنسان يتعبد
وبتخطفه ف زهرة شبابه
يارب اسف سامحني
قلبي عذابه فاق عذاب ابنك يسوع
والضلوع ما عادتش مستحملة دقاته


يا هل تري اللي ماتوا هما اللي ماتوا
ولااحنا اللي متنا
يا هل تري بيسمعوا صوتنا
ولا بيسمعوا صدي
صدي
صدي


أبو سمرة السكرة

قلبه احن م اللبلاب
والبلابل لما بيعوزوا يستحموا
ما يلا قوش غير عيونه جداول
لما بيعوزوا يغنوا
ما يلاقوش غير صوابعه غصون
لما بيعوزوا يصلوا
ضحكته محراب
قاعد تمللي وف ايده الكتاب
والسجاره السوبر
وقدامه كوباية اليانسون
النهارده ستة اكتوبر
يوم ميلاده
ماحدش بيسأل عليه من ولاده
غير يوم مايقبض
بس انا باعتبره اب
لما بابقي مضايق باطلبه
الوووووه
يقولها بصوت جهوري ومعدني
اسكت
يكررها اطول شوية
اسكت
الوووووه
اسكت برضه
شكلك تبع اخوانا البعدا
اسمعها وادبدب ف الارض من كتر الضحك
ازيك يا محمد
مش هتبطل الاعيب اخوانا البعدا
النمرود عمال يبعتلي دكاترة يراقبوني
ويحطولي السم الهاري ف قلب الاكل
النمرود مش ناوي يجيبلها لبر
بيموت ف الشر
لكن دمه خفيف
بيسليني ف وقت فراغى
وانا كبرت دماغي خلاص
حطيت اعصابي ف تلاجه
مش عايز حاجة
انا باحكم ف العالم من مطرح ما نا قاعد
ايد علي ايد اهي برضه تساعد
شكرا يا بو سمره
يا سكر
حبيت اسمع صوتك مش اكتر
واقولك ياللا حالا بالا
شكرا يامحمد
خد بالك من نفسك
واوعي تسيب الشعر عشان الطب
هو اللي مخليك انسان
تصبح على خير
تصبح علي حب
وانت كمان
واقفل وانا فرحان
ان الدنيا فيها ابو سمرة
وافرح اني قابلته
قبل ما قابل احزاني
واتصالح مع نفسي
وابدأ من تاني طريقي
ابو سمرة ف رأي الناس
مجنون
لاسع
راحت منه ومش راجعة
وف رأي الطب النفسي
فصامي ومسكون ضلالات
وف رأيي
أطيب إنسان ف الكون
واظرف إنسان ف الكون
وعلاجه جريمه
والدنيا بدون أمثاله
عديمة اللون والطعم
أنا عشت معاه سنتين كاملين
شجرة ياسمين من لحم ودم
نجمة صيف
طفل كبير
صادق مع نفسه بشكل مخيف
وشعاره طول ماانت ما بتضرش غيرك
اعمل ما بدالك
أبو سمرة
كان كاتب علي كل جدار ف الوحدة الصحية
انا باكره كل الناس الخونة الاشرار
اتباع النمرود واخوانا البعدا
لكن كان اكتر إنسان بيمدإيديه للناس
بيحب الدنيا
ويقوللي
الدنيا جميلة وتستاهل تتعاش
ويقوللي
الستات بيحبوا الراجل الندل
ويقوللي
طوب الارض بيكرهني
حتي الحشرات
حتي النمل المعروف بالطيبة وبالإخلاص
دايما يقرصني في مكان حساس
الخمرة مفيدة
لكن إدمانها بيهري الكبد
وانا قدك خدت الدنيا ف صدري
يابني أنا أفشل واحد في اخواتي
أنا أفشل واحد في الكون
ملحوظة
بيقولها بدون أي مرارة
الراجل ف سلام مع نفسه أكتر من بوذا
ملحوظة كمان
أبو سمرة مش شاعر
لكن يعشق يتكلم بالسجع
مثلا
وانا باكل مكرونة
سابني وراح البلكونة
ويموت علي نفسه من الضحك
وانا طبعا اكتر منه
إحنا الاتنين أكبر مجانين ف الدنيا
مجانين مجانين بس نعيش
ابو سمرة
من مواليد 55
شكله أقرب للألمان م المصريين
لكن يضايق جدا لو واحدقال له
شكلك مش مصري شكلك ألماني
بيقول عن نفسه
أنا صورة طبق الاصل من رمسيس التاني
ويطلع صورته من محفظته

ابوسمرة حكاية طويلة
قد ما تبسط
قد ما توجع
الله يمسيك بالخير يابوسمرة وصوتك
يفضل ف الدنيا ملعلع
اعذرني
الدنيا تلاهي
وواخداني
لكن ذكراك
أيامك
لياليك
ساكناني
م المحزن جدا
إنك ممكن
يديك طولة العمر ربنا
إنك ممكن يعني
من غير ما عرف
من غير ما خد منك حضن طويل وأخير
من غير ماخد يا صديقي عزاك
لكن بيصبرني
إني بعد ما موت
هابقي معاك
ياطيب واظرف إنسان
ربنايديك طولة العمر
عشان ياصديقي نموت مع بعض كمان





يامصر

كل مركب ليها مينا
ليها مرسي
وانتي يا بلدي الحزينة
علي مر الدهور
موج يشيلك
موج يحطك
إعصار يروح
طوفان يجيلك
والشط يفتكرك وينسي
والمراكب كلها وصلت
وانتي لسه بترقصي رقصة المدبوح






















زوربا المصرى

يا نخلة بتمطر بلح في أرض بور وسنين عجاف
قلبي لم عمره شاف
يا كامل الوصاف
حد زيك
في سماحتك وف صراحتك وف نصاحتك
وف قلبك الطيب كما
قلب الطيور والزهور والفراش
وف عقلك الناضج في نار التجربة
الدمعة ف عيونى مكدبة
إنك خلاص طالع معاش
واش يا واش
الشمس بتقولك بلاش
والصبح بيقولك بلاش
الدنيا هتضلم
يابو كلمة بتعلم عالقلوب والضماير والستاير والحيطان
يا بو ضحكة غيط برتقان
عايز أقول للحظ شكرا بامتنان
إنى قابلتك ف الطريق
يا اب وصديق في زمن خوان
وف دنيا غابة
يا بو طلة بتخلي الكآبة سرور
حضرتك دكتور
ولا شاعر ربابة
ولا عازف عود
ولا سندباد
دايما بتيجي ف المعاد وضحكتك سابقاك
وجايب معاك ألف نجمة صيف
الف مركب
ألف جدول
ألف أغنية من اجمل اغاني زمان
قعدتك مهرجان
كرنفال
احتفال بالحياه والوجود
حضرتك مولود في برج الحوت ولا في برج حمام
اسمك إمام وانت ف اللمة إمام
وف القمة إمام وف براءة الذمة إمام
وف علو الهمة إمام
ومش ناقصك بس غيرالعمة والقفطان
وتبقى إمام ف الدين
يا موسوعة
الدمعة ف عيونى بتقولك وهى موجوعة

سلام
والورد بيقولك سلام
ناصية كل شارع في مصر القديمة
بتقولك سلام
مادنة كل جامع
أجراس الكنيسة
البالطو الابيض
كارنيه النقابة
المرضي الغلابة
كل طرقة ف مستشفى دار السلام بتقولك سلام
والغمام بيقولك تحت امرك كل الا منيات
نص عمرك فات لسه باقي نص تاني
لسه قدامك طريق مفروش اغاني ما ابتداش
ياما لسه ف الجراب
مليون كتاب
أيام جميلة ماعشتهاش
الفين جزيرة مازرتهاش يا سندباد
احلام ولاد
مصرنا التايهه ف البلاد تعود وتضمها ف حضنك بشوق
نيلنا المريض في غرفة الانعاش يفوق
ليلنا الطويل يطلعله فجر
يشبهلك تمام
في صراحتك وف سماحتك
وف قلبك الطيب كما قلب الطيور والزهور والفراش
مش باقولك
لسه قدامك وقدامنا
طريق مفروش بالتمرحنة ماابتداش


إلي الفاجومى

اشعر ياجيفارا
يابو نوارة
اهدي قلوبنا المحتارة
اهدم أحزانا الجبارة
عارفك واقف علي قبر ولادنا بتوع العبارة
وبتوع القطر
وبتوع المسرح
وبتوع الطيارة
ودموعك نازلة بغزارة ومرارة
ألف ندامة وألف خسارة
بتسلم
بتعزى
حاضن أحزانا بحرارة
عارفك بتحارب اشباحنا بكل جسارة
يابو قلب منارة
يابو ضحكة حضارة
يابو كلمة بتفهم اكتر من الف وزارة
ياجدع واشجع واد ف الحارة
عرفنى ازاي بتلخص ف عبارة جراحنا يا مصباحنا وشمس صباحنا
دايما تلمحنا وتفضحنا وتجرحنا وتنصحنا وتمنحنا السلوان
دايما حابب مطرحنا
دايما واقف ف المحنة فريحنا
دايما تفرحنا ف عز الاحزان
يا جنينة فاكهة ومفتوحة لكل جعان
يا ادان
قلبك ياسمينة ساعات وساعات صوان
قلبك هو السد العالي ف نيل اسوان
هو الكحكة ف ايد غلبان
هو القلة ف ايد عطشان
هو الضحكة المرسومة ف عين شقيان
هو القمح الطارح في غيطان كل المصريين
هو دعاء الام في ليلة قدر
هو سماحة الدين
هو اللمة الحلوةوساعة الحظ

هو الخطبة السياسية الرنانةوطظ
هو الشاي وسجارة وانا كده عايش سلطان
هو البنت المصرية نضارة معدية
وشكل الدنيا هيبقي ازاي من غير نسوان
هو ردار وكمين ف السكة وكله بيدي لكله إشارة
هو شهامة كل ولاد الحارة
واشعر يا جيفارا
يا بو نوارة



2

اضحك يا فاجومي وضحكنا معاك
اضحك يا شطان وملاك
اضحك يا مخللي الزنزانة جنينة اسماك
اصل الضحكة بتاعتك
صافيةودافيةوشافية ووافية
واحنا بلا قافية
صارت ضحكتنا بتطلع بالعافية
صفرا وحافية
زى اللي بيغسل اسنانه بمسواك
كارهين الدنيا وبنرفرف
نفسي اعرف
قادر ف السجن ازاي تعشق دنياك
الحلو ف ايدنا كاس علقم
والمر ف ايدك
ويسكي وكونياك
شايل سيفك بتحارب
واحنا بنتفرج من شيش شباك
خايفين من طيفنا ومن خوفنا
وانت امك م الخوف فاطماك
نازلين للارض السابعة
وانت بجرأة طالع لسماك
عارف حقك بتحاول تاخده
حتي ان كان علي كف قضاك
شايل كفنك
ماشي تغني
بتهزر والموت بيهزر وياك
فاهم اولها وآخرتها
والفولة ولبتها
مديها الطرشة
مديها قفاك
عايش يومك رامى همومك
كل هموم الدنيا راميها وراك
دايما راجل ملو هدومك
والكلمة بتاعتك من راسك من جواك
والقرش اللي يذلك بين ناسك
ينداس بالجزمة ولاليه لزمة
طول ما الستر معاك
يعنى سعادتك هارش كل الليلة
والدنيا الهابلة مش هابلاك
حالق ومكبر ومنفض للنفخة الكدابه
سبت الغابة وعايش زى النساك
ماشى وكاشف كل جيوبك
كل عيوبك
كل ذنوبك
ماشي ورافع راسك
ثابت في خطاك
واحنا ف سيرك
كل الناس بلياتشو جميل
بس الواقع مين ادرانى ومين ادراك
نفسي تعلمنا جنونك يا فاجومى
داحنا العقل بتاعنا هلاك
اضحك
اضحك يا مخللي الزنزانة جنينة اسماك

3

اشعر يابو نواسنا
ياونسنا
يا فارسنا
مش ناقصينك بس انت ناقصنا
شعرك بلمسنا
عرفنا
ساسنا من راسنا
ضحكنا وافرسنا
داحنا لحسنا واحتاسنا
مات احساسنا
نحسنا
افلسنا
بعنا نفوسنا ونصوصنا وعاداتنا وطقوسنا
قاعدين بنمجد ف لصوصنا وتيوسنا
وفلوسنا بنجيبها من دعك فانوسنا
مش من فاسنا وروسنا
اصل القهر داسنا بمداسنا
دهسنا
هرسنا
مش عارفين ناخد منه نفسنا
قلعنا لباسنا
كل ما يلعب فينارقصنا
وكمان ناوى يورثنا

4

اتكلم يا فاجومى
يسلم فمك ولسانك
دايما سابق عصرك وأوانك
زى الانبيا
وادانك بيصحي الناس الأغبيا يصلوا
اتكلم واوعي تبطل سخرية
وان شالله عدوينك يتشلوا
أو ربك يبليهم برزية
من كتر بجاحة اهاليهم
واقفين فوق روحنا المحنية
يبنوا ويعلوا
حبة حرامية
سارقين الشمس ونورها وضله
واكلينها ولاد الايه
شافية مشفية
وكمان بيحلوا
ويقولوا الشعب بتاعنا ايه اللي جراله
ايه اللي حاصلوا
مش عايز ينضف ليه من حقده وغله
احتارنا يا امريكا ف حله
الشعب المصري ايه اللي فاضله
داحنا يدوب بنلاقي رغيف العيش
حزمة جرجير
قرصين طعمية
وعصيرنا حبة سكر ف المية نبلوا
طالبين الستر ومش عارفين نوصللوا
لو نسمع احياناان فلانايكسب كام مليار ف الشهر
دايما بنسبق حسن النية
ونقول اذكيا
والرزق يحب الخفية
أما احنا ولاد فقرية
اتكلم يا فاجومى





















البداية

اصل الحضارةعلامة استفهام
والمنارة ايد بنا
والعبارة زقزقة عصفور
صدقونى الدنيا ممكن تبقي جنة
والضلمة ممكن تبقي نور
لو طيور الاسئلة تهجر جحور الخوف
احنا ليه خايفين نشوف
كل افكارنا القديمة برؤيا تانية
كل ثانية وليها قيمة وليها دور
والنسور لو تهون بياكلها دود
والدنيا فانية بس نحلم بالخلود
والردود الجاهزة لعنة
والجدود عاشوا ف زمان غير زمانا
والظروف غير الظروف
احنا ليه خايفين نشوف
العلم ف الاسلام فريضة
احنا ليه خايفين نداوي
كل افكارنا المريضة والعقيمة
والجهل تيمة مكررة
ف روايتنا وف عاداتنا وف لغاتنا وف مماتنا
وف حياتنا بكرة بيبص لورا
احنا ليه كل شمس منورة بنطفيها
كل عالم جاي بفكرة بنرجمه بيها
كل نسمة بنعاديها ونتاويها تحت احجار البلادة
والفكر عادة بنحاربها كأنه عار
والنهار خاصم بلادنا من زمان اخناتون
والضلام قلبه جاحد والعيون
دا البحر واحد والسمك ميت الف لون
والجنون ممكن يكون الهام
والشك مفتاح اليقين
والحنين للماضي قمة الاوهام
اصل الحضارة علامة استفهام



شكرا يا خالد باقولهالك بصوت واطي
واحباطى حاضن بصيص الامل ف عنيك
ما عليك اعمله والباقي سيبه للزمن ولحكمته
بكره الوطن لما يفوق من غفلته
يستغفرك
ويبوس ايديك
ويدوس ايدين
كل عملة مزورة
يا قبرة بتغنى فوق شجر السكوت
كمل غنا
وانسج حرير المنى من خيوط الاسئلة
دا البلبلة افضل كتير من هدوء الموت
والبداية للوصول لنجمة الحرية
خش التكية ودوق التوت
واكسر النبوت
القوة قدرة ع السؤال
وصوت
رافض يطاطى للجبال
او ينحني للريح
دم المسيح وصمة في جبين البشر
والقمر شاهد وسامع
القوة جامع وجامعة
طفل بيذاكر علي ضي شمعة
طفل اصبح اسطى ف الصنعة
طفل بيعد النجوم والشمس طالعة
بالذمة مش مهزلة اللي بقينا بنسمعه في خطبة الجمعة
امسح يا خالد دمعة وطن مقهو
شغل موتور قطرنا القشاش
حرك شعور الميتين
داالصبح لسه ما جاش
وطه حسين نايم في قبره حزين
وعرس الزين صار مناحة
والساحة فاضية للمهرج
والمشعوذ والمقاول والجهول



بينا وبين بكرة
الف باب مقفول
قول يا خالد لبلدنا تصحي
كفاية نوم
كلمتك همسة جارحة
وغنوة فؤاد مهموم
فاكهة صابحة
دم انضف من دمنا المسموم
فستان وطرحة
كلمتك بتطفش الغربان والبوم
وبتحلم بيوم
مصر تبقي
اجمل عروسة في الالبوم


























هنا القاهرة

والله ليكى يا مصر رهبة
وليكى هيبة
وليكي ملة عجيبة
وليكى طلة كئيبة
والغريبة اني جايلك
كلي شوق
اطلع لفوق وامسك نجومك
مين يلومك
لو قسيتى ع الغريب
واللي جايلك من بعيد
وانتي قاسية ع القريب والحبيب
مين يلومك
وانتي طالعة من هدومك
من عجايب
شعب سايب
كل جسمك
يا صبية وجاي ينام
فوق كف ايد
مين يلومك
وانتى حاطة ف المحطة
باب حديد
وسيوخ حديد
واقفين عساكر
والتذاكر
قاطعين نشالين
والشحاتين
مرصوصين ع الرصيف عقارب
والبياعين تعالب
والسواقين عناكب
والمناكب ف المناكب
ف الشوارع والباصات
والسيمات والمولات
والقهاوي والكباري
والمراكب
واللي راكب
عايز يدوس ع اللي ماشي
والهوا بفلوس في مصر
يا خراشي !!!!
فاشي قلبك ولا نازى ولا سادي
كله عادي
كله راضي عن حياته الغير لذيذة
طول ما مترو الجيزة
ساير ع القضيب
طول ما مترو المرج
طاير زى الحدادى
في سحاب الاكتئاب
طول ما ضلي
لاقي مللى يصلي فيه
كل نوبة اغتراب
طول ما كتفي لاقي سور يركن عليه
بعد جريه خلف السراب
ليه نصيبي سطر افرح
وافضل ابكى باقي الكتاب
ليه يا غاليه ونجمة عالية
ملحوسينك بالتراب
ليه يا مصر؟؟؟


















سؤال

يا مصر مالك
قد اصبحت قاسية
والظلم يجرى
كماء النيل دفاقا

تعلو القصور
وغاب الكوخ مندهش
من يا ترى
في بلادى
وزع الارزاقا؟؟






























وجع البعاد

لك الآن ان تخرجي من حياتي
وتأخذي الشوق خلفك
وتأخذي آخر ما تبقي في عيون الليل من سهاد
لك الآن أن تصلبي كل حرف في قصيد النار
فوق اعمدة من رماد
لك الآن ان تهدمى هيكل الحب
محرابه
ان تحرقي اعصابه
هذا الذي كان مغتربا في بلادك ثم عاد
لك الآن ان تضحكي يافجر
في حين يبكي البدر من وجع البعاد
















المثقفون في وسط المدينة

المثقفون في وسط المدينة
ذباب المقاهي
اعصاب تالفة في جسد الارصفة
كتب مشوهة الاغلفة
كسيحة الصفحات
المثقفون في وسط المدينة
اسلاك كهرباء
تخاصمها العصافير والزقزقات
لحظة الشروق
ولحظة المغيب
شبابيك تطل علي حقل جديب
وجداول خائفة
من السنابل
ومن ضوء القمر
ومن حصي الاطفال الصغار
ومن مشاكسات القمر
الشديدة العذوبة

حين اتيت من قريتك
متلفعا بالرجولة
وحالما بلقيا ربة الخصوبة
وجدت القاهرة
عاهرة
بلا اثداء
ولا شفاه
وخربشتك القطط الواقفة علي بابها
ثم سرعان ما اصبح لك
مثل انيابها
واظافرها الطوال
ما ابأس ماتعلمنا الليال والدماء النازفة





الذكريات

اتذكرك الان
واتألم
اذ كيف يعيش علي الارض حبيبان
لايتبادلان-حتى- تحية الصباح
يهنئان الغرباء عند حلول العيد
ولا يهنئان بعضهما البعض

اتذكرك الان
رسائلك التي تضحكني
مكالماتك الهاتفية التى تملأنى ثقة في رجولتى
طقوسك الشائقة في الاستذكار
وحديثك الباسم دائما
كشمس الصباح
حين تشاركنا احتساء الكابتشينو

اتذكرك الان
واتساءل ما حكم الدين في زواجك من رجل غيري؟
دون ان اوافق
فالحب الذي بيننا رباط مقدس
والحدائق التي جلسنا فيها تشهد
والطرقات التي مشينا فيها تشهد
والجرسونات الذين قدموا لنا مئات المشروبات
يشهدون

اتذكرك الان
واخاف ان اتصل بك
فاسمع صوت امرأة لاتمت لك يا اميرتى بصلة
وتجربتى المتواضعة في الحياة علمتنى
ان محاولة احياء الذكريات قتل لها
لذا
فلن اطمع في امتلاك الوردة
طالما رحيقها في ذاكرتي



سأبوح لك يا حبيبتي بسر صغير
الكتب التي تمتعني احرقها
الاغانى التي يقشعر لها جسدي
لا احفظها علي هاتفي المحمول
صور الفوتوغرافية الجميلة
لا اشاهدها الا بعد مرور سبعة اعوام على التقاطها
اردت ان اقول لك
انني طوال الوقت
كنت اعرف انك حب عمري الذي لن يتكرر
لذا تركتك وذهبت
كنت متأكدا ان ضربة فرشاة جديدة
سوف تأخذ من جمال اللوحة واكتمالها اكثر مما تعطيها
كم هو ممتع
هذا الشجن الذي احسه
عندما اجلس في المساء
اجتر ذكرياتي العذبة
واولها انت






















سذاجة
لا رأى لك
إلا واثبتت الايام سذاجته
لكنك ما زلت تعتقد في آرائك
اعتقاد نبي في رسالته
وتدلي بها من فوق منصة دكتاتور

لاحلم لك الا ولم يتحقق
او تحقق
ولم تفرح اكثر من لحظة خاطفة
لكنك مازلت تحرق علبة سجائر كاملة
اذا تباطأ موظف
أتفه من ذبابة
في امضاء ورقة تبدولك
اهم من الوقوف بجانب قلبك
الذي توفي فلذة نبضاته
في حادث مماثل صباح امس

لاامرأة الا وصارت مملة
بعد مكالمة هاتفية
وموعد
وقبلة
ولكنك الان مستعدان تحارب عدوا لاتكرهه
من اجل ان تفوز بنظرة اعجاب
من الجميلة التي تقف بجانبك
في الحافلة المختنقة بالركاب
ولا تشعر لك بوجود







خيانة

كل امرأة اقبلها
اشعر انها صارت امرأتي امام الله
وانها اذا ما سمحت لزوجها ان يلمسها
تلعنها الملائكة

عندما تضطر امرأة الي تقبيل رجل تكرهه
- واغلب قبلات النساء اضطرارية-
فانها تتقيأ في فمه
اما قبلة الرجل الذي تحبه
فانها تزرع وردا علي شفتيها
لا يذبل حتي بعد ان تموت


اخششي ان تفهموا كلامي
انه دعوة شيطانية الي الرذيلة
ولكنني لم اقصد الا ان
ابكي فوق قبر الفضيلة الراحلة










العظمة

انا اعظم شأنا من نيوتن
ولكن التاريخ يتجاهلنى
اذ لا اعرف طباخا في قصر الرئاسة
ولا ساعيا في جريدة
ولا فرد امن في مبني ماسبيرو

انا اعظم شأنا من نيوتن
لأن التفاحة سقطت عليه
وانا سقطت علي التفاحة
وهو اكتشف قانون الجاذبية
واكتشفت انا قانون النفور


انا ارفع مكانة من اينشتين
لأنه يري كل شىء نسبيا
بينماانا – اذا ما عشقت او كرهت –
اري كل شيء مطلقا

انا احق بجائزة نوبل من احمد زويل
لأنه اكتشف الفمتو ثانية
وكتبت انا الفمتو قصيدة
ولكن الجميع يرون قصيدتي ورقة بيضاء
واقول لهم اني اري مالاترون


انا غاضب جدا من دارون
لانه لم يستثن حبيبتي من نظريته
ولم يقل - رغم علمه بذلك - ان اصلها فراشة








دفاعاعن التطرف

لان عصير الفاكهة المثلج الذ طعما
واكثر روعة
ويعطيك الفرصة لتذوقه
ولان الشاي
كلما كان ساخنا
كلما طالت فترة استمتاعك
لذا كن يا صديقي متطرفا
وامسك
منتصفك من عصاه
وتبول – كطفل - في جميع الجهات























لو كنتي دفتر كنت قطعتك مذاكرة


لو كنتي دفتر
كنت قطعتك مذاكرة
لو كنتي بكرة
كنت هاكره اني انام الليل
لجل اشوفك بدري يوم
قبل شمس الشوق ما تطلع من غيوم الانتظار
قبل عصفور النهار
ما يدخل غرفتك
من تحت عقب الدندنة
شايل فطار اجمل سوسنه في الكون
لو كنتي لون
كنت هاسرق منه لوحة موناليزا
برج بيزا
ازاي اسيبك
وانا حتي عيبك شايفه ميزة
وانا قلبي عاشقك بالغريزة والارادة
والسعادة بتكون لذيذة
لما تبقي غصب عنك واختيار
لو كنتي فكرة
كنت هاسرق منها نار المعرفة
واهدي الدفا للبردانين
واهدي الشفا للمجروحين
واهدي الصفا للمهمومين
واجعل شعار العاشقين ضحكتك
لو كنت عارف سكتك من سنين
كان زماني صرت شاعر في بلاط ملك الحنين
ووصلت من اقصر طريق مدن اليقين
وعرفت مين
خلي عيونك كعبة الياسمين والبلابل
واجمل كتير من حدايق بابل
خلانى قابل افضل سجين دار رموشك
من غير ما افكر لحظة واحدة ف الهروب
خلانى اتوب عن ضلالى
واسهر ليالي حاضن قلوب حمرا

واكلم الدبدوب
واكسر كؤوس الخمرة فوق البار
واحلم برنة او رسالة
وادخل في جنة من تحتها بيجري العذاب انهار
كل الصحاب
كانوا بيقولوا استحالة
انى اعقل
وان شفت بس بنت اجمل حبتين
هاسيبك وهارحل من غير ما اقول اعذار
من غير مااسأل في دموع الذكريات
او ربيع الامنيات
او وعود ديك النهار
من غير ما اسيب باقة ورود فوق مخدة الانتحار

لو كنتي مركب كنت صرت امير بحار
سندباد
وسافرت بيكى ارض المعاد
وطلعت فوق جبل العناد
وصرخت قلت في افتخار
انا وانتي شعب الهوي المختار
والجنة لينا والانهار
وبقية العشاق ف النار


لو كنتي زهرة
كنت هاخرج في مظاهرة
ضد بقية الازهار
واعلن عبيرك امير
وابني دير م الشهد
واعيش ويا الفراش
وان ما جاش الربيع
ما يهمنيش هيهمني ليه
وانتي يا زهرتى مابتدبليش




لو كنتي ثورة
كنت صرت تشي جبفارا
كنت اطمن كل خايف
كنت احرر ورد الشفايف من كرابيج السجارة
وابنى حضارة اروع م الحضارة الفرعونية
واهدي غنوة الحرية لكل سجين
واعمل دين سماوى للعاشقين
واداوى كل ليل تعبان من دلال النجوم
واصوم زى غاندي
ان مر يوم من غير ما اشوفك
ان ما عرفتشك اغزل من حروفك اجمل عبارة
لو كنتي ثورة كنت صرت تشي جيفارا


لو كنتي اغنية
كنت لحنتك ووزعتك
وغنيتك وخليتك نشيد غصون الشجر
العاشقة ضي القمر وهمس الريح
وشمس ست الحسن
لو صحيح انى عارفك لجل بوسة ولجل حضن
كنت سبتك
من زمان وكان
شوقي هدي
ما نكرشى اني باتعدي من اي لطشة بنت جامدة
وعرفت قبلك الف واحدة
بس حاسس لما شفتك ماعرفشي ليه
وكأنى لسه بابتدي
وكأنى قطة مغمضة
حبك فضا
وقلبي طير فارد جناح الفضفضة
والقضا والقدر مخنوقين وكارهينا عمي
عايزين حنيناينزل م السما
لكن قلوبنا منفضة
سيبك يا حبي من كلام الناس
الحب ماس كهربا
بين الجفن والاحلام
ياطيبه وقريبة
من صمام القلب
ومن كلام الرب
ومن سلام الروح
يا سفينة نوح
انقذيني من طوفان الهم
وافضلي معايا
وخلى غنايا
يحرق دم الحدادي
ابتعادي مش دليل ادانة
الحب بيبان ف الخيانة ساعات
والشمس لو غابت تلات
بتيجي الاربع تعتذر
تحت النظر شوقي
وفوقي كل وعد وعدتهولك
كل حرف كتبتهولك
يا كلمة مش عارف اقولك
يانجمة مش عارف اطولك
ريحينى ودوقينى من نخيلك بعض الثمر
عمري قبلك راح هدر
يا ميلادى ومهدي المنتظر


لو كنت بنت من بنات الغجر
كان زمانك خطفتي من كارمن الاضواء
ودخلتي جنة الاشواق من اوسع بيبانها
فين غصن بانها من غصن بانك
فين جنانها من جنانك
معجون سنانك
احلي الف مرة من ثغرها
ومشطك
احلي الف مرة من شعرها
وكفك هياكل صوبع سحرها بسهولة
لحظتها كارمن هتسجد وتتأكد من انك رسولة
معقولة لولا نهودك
كان اميل زولا قال اللي قاله

كان مختار نحت تمثاله
كان دانتي اطلق لخيول خياله العنان
معقولة لولا خدودك
البدر كان هيبان
الورد كان هيكون نرجسي
معقوله لو قلبك قسي
تبقي فيهااغصان كريمة
او اوطان رحيمة
متعرشة بغاب الامان
متقفلة بباب السكينة
متحوطة بلبلاب المحبه والضحكة الحميمة


معقوله لولا وجودك قي حياتي
كان هيبقي لها قيمة

لو كنت بنت من بنات الغجر
كان زماني صرت خيمة
وعملت عنك ميت فيلم سيما


لو
لو
لو
لو كنت دفتر كان زماني
صرت اشطر
وقطعتك مذاكرة












نادر جدا

نادر جدا افضل واقف ساعة حداد علي حد
نادر جدا اني اتشد لحد
احب بجد
شبه محال
كنت باشوف الحب خيال
لعب عيال وتسالي
نبت شيطاني وطالع ف القلب الخالي
شفتك واقفة جنينة ورد
نجمة سيما
تمثال اغريقي
اجمل برفان ف الدنيا ومرشوش في طريقي
وش لاول مرة باشوفه بس صديقي
اخوياشقيقي..عشيقي
دايما واقف جانبي في فرحي وضيقي
شربة مية وبلت ريقي وانا عطشان
حب لاول مرة باحسه بس حقيقي
مادنة جامع ..محراب..مأذون
فاتحة ..كتب كتاب..زفة وطرحة
بلابل فرحة
ايدك علي كتفي في صورة في برواز
انا وانتي وباب مقفول
مش معقول..دستة اطفال
فيلم هيتذاع الليلة بمناسبة نصر اكتوبر
سينا ..الطور.. عمر ومشوار
الصدفة الاجمل من الف معاد
حبك يا حبيبتي قصيدة ومكتوبة في عين الاولاد
عودي كفاية عناد وبعاد
ماذا والا هافضل واقف عمري بحاله عليكي حداد
وانا نادر جدا افضل واقف ثانية حداد علي حد



































ليه

هافضل طول العمر اسأل روحي ورحك ليه
أيه معني حياتي
واحن وائن
وافضل احاسب
واجلد ذاتي
مشاعرى
آهاتي
حروف ابياتي
اصل انا طيب جدا
ساذج جدا
ابيض جدا من جوايا وعلي نيلتي
عمري ما باعرف الف ةادور
واعيش ف الدور
ياعيون مولاتي
وارجع اقول
اني بحبك
رغم بكايا
هافضل اشوفك بدر وباحلم اطوله
هافضل افكر فيكى العمر بطوله
هافضل احبك بعد مماتي
يا مغرورة بصورة اشد
بس ساعتها هاحاول اكون سباح
قد المد وقد الجزر
وقد جراح الشوق والصد
وارضى غرورك
قبل ما افكر يوم ف العوم ف بحورك
حد بجد تلاقي جنونك فيه
بس لحد ما اموت
آسف جدا
هافضل اسأل روحي ورحك ليه




بعد النهارده

بعد النهارده مش هاشوفها
الا ان شاءت ظروفها
كل فين وفين
ولا هاصطبح باحمل عنين
واجمل شفايف
واجمل ايدين
واجمل كلمة ازيك تقولها بابتسامة
بتخلي قلبي يطير حمامة للسحاب
بتخلي روحي تدوب حنين
بتخلي عمري يعيش يومين
سلطان زمانه
زى هارون الرشيد
زى الوريد بعد حقنة المورفين
زى صوفي لحظة وجد
زى خوفي لحظة اطمئنانه
يا غنوة غناها شكسبير في حلم ليلة صيف
يا لحن بتهوفن
يا لوحة من لوحات بيكاسو
لو شعري يوصف نص اللي انا حاسه
يبقي امير الشعر

لأ بجد
بعد النهارده مش هاشوفك صحيح
الا لو نزل المسيح
طب قلبي فين م الحكاية
عارفة انى كاتب نمرتك
ع المرايا والحيطان والستاير والدفاتر والكاسات
عارفة اني ياما باتكلم معاكي بالساعات
عارفة انك يا ما قلتيلي بحبك
ياما سرحتيلي شعري
ياما دلكتيلي ضهري
يا ما اكلتيني بالمعلقة
ياما اتخانقنا
ياما اتصالحنا
ياما سافرنا شرم والغردقة

امتي هتحسي علي دمك بقي
يا دنيا يا مفرقة الاحباب
يا مسبقة بالفرقة
فاكرة يا روحي وقفتي بالطرقة بالساعات
كانت عشانك
فاكرة اتصالي ف انصاص الليالي
كان تلكيك
كل شىء فيكي شيك
لبسك
ضحكتك
وقفتك
قعدتك
مشيتك
اسلوبك ف الكلام
مدة ايديكى ف السلام
كلمة (ازيك )من شفايفك فوج حمام
طاير للسما السابعة بجناحات وردي
الود ودي
يقف الزمان
والنجوم يتجمعوا
عشان يشوفوا ويسمعوا
الشعر الحقيقى
الحظ اللي حاطك في طريقي
نفسي آخده بالا حضان
نفسي اشكره بشدة
هافضل احبك حتى لما تصيري جدة
وان حد فكر يحرمني منك
هتقوم حرب ردة
بعد النهارده
هافضل اشوفك
حتي لو رفضت ظروفك كل ثانية
هافضل محافظ علي شعرة معاوية
حتي ان كنت ناوية تقطعيها بارتحالك
جايز اكون مش في بالك
وف حياتك حد تاني
حد باني
بيني وبينك الف سور
صدقيني مش غرور
لو قلتلك قلبك مش بين ضلوعك
قلبك موجود معايا
لو عايزة تشوفيه
اهلا بيكي في اي وقت
بس ماتحاوليش تقنعيه يسيبني
عارفه ليه
لأنه مش هيرضى



























يكفيك سلامها

يكفيك سلامها
ومعاك رقمها
طروادة اسهل في اقتحامها
بس واضح من كلامها
لسة خارجة من قصة اليمة
وشعورها واجب احترامه
كل واحد في غرامه حر
احساسي قالك م البداية
للخلف در
بس انت ما سمعتش كلامه
حبيت تدوق
طعم الهزيمة المر
دوق
مش عايز تفوق
وتعيش الحقيقة
بتطير لفوق
وتشر شوق
لما تضحكلك ضحكة بريئة
مش رقيقة دي الرقة ذاتها
من اغنياتها العندليب بيغير
ومراياتها كاتبة فيها بالعبير
مليون ديوان
يابخت معجون السنان
والمخدة والسرير











الموظفون في الارض

عيب عليك
وانت فار واقف في غاية الانكسار
في انتظار
امضة حمار شغال موظف
او موظف شغال حمار
بيبص لك من تحت نضارته السميكة باحتقار
وهو بيخلص فطار وبيولع سجارة السوبر
كأنه بيولع سجار
وبيقولك باختصار وعينه بتطلع شرار
العش طار والفشار محتاج خنفشار
وانت بقلبك الطيب
وعقلك المحتار
مش عارف كلامه جد ولا هزار
عيب عليك
عايز يقولك
خلي النهار
يعدى
العيشة زفت يا فندى
والاسعار والجو نار
والمرتب مش مقضي
تمن الخضار
ولما باعدى ع الجزار
بافكر في الانتحار
الود ودى
ارجع بكيلو تحت باطى
للعيال في الدار
واحباطى ما لوش قرار
وباشرب السوبر استخسار
صدقني لولا الضنك والعيشة المرار
كان زمانى صرت صاحب ليك وجار
كان زمانى صرت الطف
م الطيور والزهور والمراكب في البحار
عيب عليك




احمد ربنا انك بقيت دكتور


انت في نعيم
طبعا
والدليل قاعد في العيادة بانش
شكلك وسيم
ما افتكرش
دا الشعر خف
وطلعلي كرش
والجيب منفض
كش مات
مين هيرضي م البنات بيا جوز
والحظ مادد بوز
والكبت فرقع لوز
بيصلي الفجر في الخمارة
والمصيبة ليا جارة
نهودها لوز
ودراعها موز
متجوزة راجل عجوز
يا خسارة
بركان غواية
لما تمشي في العباية السمرا
الف جمرة في دمي تولع
والاهة تطلع تحرق غابات
عاجزة اللغات عن وصف اكتئابي
يا الف حسرة يا شبابي
يا للي ضعت في المذاكرة
وتمقيق العنين
في مواد اكأب من الزنازين
وف تمني خمسة عين
لو تعود بيا السنين
ادخل آداب او تجارة
مهنة تفقع مليون مرارة
والمرتب مش مكفي تمن كتابين
ويقولولك وانت في التلاتين
اصبر شوية وحضر رسالة
والحاله تبقي مية مية
وانت بجهالة وبغباء
تسمع كلامهم
وتقول لنفسك
ناس كتير
ربك كرمهم
واكيد هاكون حد منهم
في يوم من الايام
ويفوت عليك عام بعد عام
وانت واقف مطرحك
وتشوف زمايلك يدبحك
سيف الندم
وتحس مجهودك عدم
ووجودك عدم
وتغوص في بحر الاكتئاب
وتبص خلفك
تلاقي الشباب اختفي عن مدي النظر
ما عادش باقي غير قدر
دكتاتور
بيقولك
احمد ربنا انك بقيت دكتور


Nawafezalkamar.blogspot.com

جنتي المفقودة

جنتي المفقودة


كانت وما زالت حبيبتي و جنتي المفقودة
والملهمة لأشعاري
وذكراها عصافير
نايمة علي رموشي
ومشواري
كل خطوة فيه بتوجع عيون ما نا موشي
من يوم عيونك يا حبيبتي
ما ناموا ما صحيوشي


وف عز يأسي بافتكرها الامل يرجع
والفضا يوسع
وتزول الهموم
مافتكرشي ف يوم
قالتلي كلمة جارحة
كلامها كله برتقاني
الشنطة والساعة والطرحة
برتقاني
والدنيا فاتحة حضنها
ومداريه حزنها تحت ضحكة برتقاني


بعد ما تخلص كلامها
تبتسم
تضحك ضحكة خجولة
ضحكة مزيج م الهديروالهديل والطفولة
كنا لسة ف اولي جامعة
والدنيا واسعة وبراح
والصباح اطعم كتير م النسكافيه

والجنيه
كان يملا عين سواقين التاكسيات
ايامها كانوا بيضحكوا ف وش الزباين
والجرسونات ف الجناين
والبنات ف المكتبات
كانوا تمللي بيضحكوا ف وش الزباين
ضحكة خالية م الغرض
زي ما يكون المرض
صاب حبيبتي
وصاب البلد في نفس ذات اليوم

يا هل تري فاكراني
باوحشها
قد ما هي واحشاني
طب ايه حايشها
تيجي وتطبطب على اكتافي
وتضمني ف حضنها الدافي
تخبيني عن عيون البشر
واخبيها عن عيون الزمان


معقول سكوتك يا حبيبتي
هيفضل للأبد
يارب ليه تخلق ساعات إنسان يتعبد
وبتخطفه ف زهرة شبابه
يارب اسف سامحني
قلبي عذابه فاق عذاب ابنك يسوع
والضلوع ما عادتش مستحملة دقاته


يا هل تري اللي ماتوا هما اللي ماتوا
ولااحنا اللي متنا
يا هل تري بيسمعوا صوتنا
ولا بيسمعوا صدي
صدي
صدي

رواية (البستاني)الحلقة امن 1 الي 4

رواية (البستاني)


1


ما لا أعرفه عن أبطال روايتي يفوق بكثير جدا ما أعرفه عنهم..وهذا ما يجعلنى أتهيب من كتابة الروايات ..تلك التي تفترض في كتابها أن يكونوا آلهة.. وأن يعلموا خائنة الأعين وما تخفي الصدور..وأعدكم بأنني سأحاول أن أفعل ذلك ..فأنا واحد من هؤلاء البشر الذين خلقهم الله للفرجة علي عباده ..ودس أنوفهم في حياة الآخرين ..ويعتبرون فضولهم وتطفلهم صلاة في محراب الفن..ما أغرب الإنسان..هذا الكائن الذي يحاول دائما تسمية الأشياء بغير مسمياتها..ويطلق علي أبشع غرائزه أجمل الصفات وأكثرها سموا ورفعة..ورغم امتلاء المجتمع باللصوص والمجرمين والقوادين والمرتشين والحقودين والثرثارين والجهلاء إلا أنك ستعيش عمرك دون أن تقابل الانسان الذي يعترف بأنه حقود أو جاهل أو مرتشى ..الحقود يسمي حقده غيرة علي الدين أو علي الأخلاق..والجاهل يعتبر جهله حكمة ..والمرتشي يسمى الرشوة هدية وإكرامية ويابخت من نفع واستنفع..ولكن أبطال روايتي يختلفون في كل شىء ويتفقون في شىء واحد..انهم واضحون مع أنفسهم ومع الآخرين ..وهذا ما جعلني أحبهم وأكتب عنهم ..فأسامة الرفاعي يعترف بأنه لايحب الفقراء ويتمني إبادتهم وأنهم ليسوا سوي فئران تجارب تعلم عليهم الطب لكي يعالج المرضى الاغنياء..ومجدي خليل يعترف بأن تدينه ليس إلا هروبا من واقع لايستطيع أن ينجح فيه..وصفاء وهبة تعترف بأن رجلا واحدا لايكفيها..وفتحي عبد المجيد يعترف بأنه عانى من الفصام في بداية شبابه..وعلا الشربينى تعترف بأنها شعورها تجاه صفاء وهبة ليس احتقارا بقدر ماهو حسد..

2

قيل ذات مرة بأن البشر يولدون ويتعذبون ويموتون ..والعذاب يأتي من عجز الإنسان
عن إشباع رغباته..الرغبة في الطعام والشراب والجنس والصحة والمجد والسلطة والخلود..الرغبة في أن يستمتع أكثر مما يستمتع الآخرون..ولكن هناك بشرا ولدوا واستمتعوا وماتوا..والسر يكمن في قدرتهم علي مواجهة أنفسهم بنقائصهم والاعتراف بها علي الملأ ..الفقر ليس عذابا..العذاب ان تأبي الاعتراف به..أن تخجل منه ..وبالتالي تهرب من مواجهته..وبالتالي يتوحش كما يتوحش السرطان في عضو لايتوجع ..وأبطال روايتي يواجهون..ويعترفون..ويصرخون..ويتجردون من أقنعتهم قناعا قناعا ..ومن هواجسهم هاجسا هاجسا..وحتما ستكرههم إذا لم تملك جرأتهم كما تكره المرأة الدميمة راقصة رشيقة ..وكما تكره البركة الراكدة بحرا يحترف الصخب
والجنون..وأمواجا تضاجع الصخور بشراسة وديعة..

3

رغم ملامحه التي تخلو من وسامة إلا أن له حضورامشعا يجعله بطلا سينمائيا من الطراز الرفيع ..مالذي يجعل بعض البشريملكون كل هذا الوهج وهذا السحر وهذا التأثير..والذي يسمونه كاريزما..هل هي منحة من الله أم شىء يستطيع الإنسان اكتسابه..كنت دائما أفكر وأنا أجلس أمام هذا الرجل في محاضراته التي لم يكن يتخلف طالب عنها..هرج ومرج في القاعة ..وبمجرد قدومه يسود صمت خشوع..صمت إكبار وإجلال..صمت تقديس..وكأنك تجلس أمام أحد كهنة مصر القديمة..أو أمام أحد أقطاب الصوفية العظام أو أمام شاعر بحجم المتنبي أو طاغور..
وقد لاتفهم جميع ما يقول ولكنك ستشعر بالانتشاء والامتلاء..وعندما ينتهي ستشعر بخدر لذيذ يسري في أعصابك ..وفي كل ذرة من كيانك..هذا هو أستاذي د.أسامة الرفاعي استاذ جراحة التجميل الذي شاءت الاقدار أن أقترب منه..لكي أتعلم الطب
وأتعلم أكثرالحياة..الحياة التي لم أكن أعرف عنها شيئا قبل أن أكون أقرب تلامذته إليه..وعن طريقه سأعرف مجدي خليل وصفاء وهبة وعلا الشربيني وفتحي عبد المجيد..وغيرهم من الشخصيات التي مزقت أوهامي وأرتني الدنيا التي لم أكن أري أوالتي كنت أخاف أن أري..وسأحكي لكم بعض مارأيت..وأتمني أن يتسع وقتكم لتسمعوا ..وأن يتسع صدركم لتغفرواخطاياهم التي هي بعض من خطاياكم..


4

عندما تخرجت في كلية الطب بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف وكنت من أوائل دفعتي
كانت فرحتي لاتوصف ..اعتقدت أن معاناتي انتهت ..وأنه آن الأوان لكي أستمتع بالحياة التي حرمت منها طوال سنوات الجامعة ..تلك الفترة التى لم أعرف فيها سوى الصلاة والمذاكرة..اعتقدت دائما أن الحياة الناجحة لاتتطلب ماهو أكثر من ذلك..الصلاة والمذاكرة..هكذا كان يقول لي أبي ..وهكذا كان يقول لي المدرسون.لم أتصور أنه ينقصني الكثير..لم أسأل نفسي أبدا كيف يراني زملائى ..ماذا يقولون عني وراء ظهري..لم أتصور أنني قد أكون محل سخرية أحد ..أو محل انتقاده..وكيف ذلك؟وأنا لاأري إلا نظرات الاعجاب في عيون أساتذتى وجيراني..وفي سنة الامتيازكنت نهما للتعلم ..أجري من قسم الي آخرلكي أتعلم أقصي ما يمكن تعلمه..رغم انني كان هدفي واضحا ..ان اتخصص في جراحة التجميل لكي أكون مثل أسامة الرفاعي..وتوهمت ان شخصا مثله لابد أن يعجب بطالب في اجتهادي وتميزي..ولكن هذا لم يحدث..العكس هو ما حدث تماما..





5

كان يعاملني بكراهية لاأعرف دوافعها..كانت الكراهية تحيط بي من كل جانب..رغم انني كنت اكثر النواب تفانيا في العمل ..ولكن زملائى وزميلاتى يتجنبونني..والممرضات في القسم يكرهونني..ولا أصف لكم حجم المرارة التي كنت أشعر بها وانا أري العلاقة الطيبة والابتسامات الودودة والتعليقات المرحة التي يتبادلونها مع بعضهم البعض..كنت أحاول أن اتجاهل تجاهلهم لي ونفورهم مني بالتفاني في العمل أكثر..هل أنا شخص بهذه البشاعة؟؟وكان من المحال أن أجيب بنعم..فانا لم أولد اليوم ..منذ خمسة وعشرين عاما أعيش..ودائما كنت محاطا بالحب وبالاعجاب..هم إذن يكرهونني لانني أفضل منهم..وفي يوم من الايام سأصير أعظم من أسامة الرفاعي نفسه..وسأبصق عليه..هذا الرجل الذي يكرهني لسبب لست اعرفه علي وجه التحديد..هل لان معظم زملائى وزميلاتي أولاد أساتذة زملائه..وانا والدي موظف حقير في وزارة حقيرة..كم أكره أبي..فقره هو سبب جميع مشاكلي..لماذا تزوج؟؟هؤلاء الذين لايستطيعون أن يضمنوا لاولادهم حياة كريمة لماذا يتزوجون؟؟لماذا لاتمنعهم الدولة من ارتكاب تلك الجريمة البشعة؟؟


6

اذهب يوميا الي المستشفى وكأنني ذاهب الي الجحيم..عضلات وجهي مشدودة..أعصابي مشدودة..وعيناي بحيرتا غضب ومرارة ويأس...وقلبي في حنجرتي..كم أود أن تنشق الارض وتبلعني..لعلني أستريح..لا..لست أنا الذي يرفع الراية البيضاء بكل تلك السهولة..غدا سيعرف القصر العيني كله من أكون..سيندمون لانهم عاملوني بتلك الطريقة..ستملأ صوري صفحات الجرائد..ستستضيفني كل القنوات التلفزيونية..سيكون هناك مدرج باسمي..بل سيكون اسمي أحد أشهر الميادين في القاهرة..في تلك الفترة الكئيبة عرفت التدخين للمرة الاولي في حياتي ..وعرفت الحشيش أيضا..وعرفت كيف يبدأ جنون العظمة ..وكيف يبدأ جنون الاضطهاد..
في تلك الفترة شتمت امي للمرة الاولي في حياتى ..وتركت الصلاة..وأدمنت أفلام البورنو..وعرفت الارق..والأقراص المنومة ..وروايات احسان عبد القدوس..في تلك الفترة الكئيبة وضعت قدمي علي أول عتبات البهجة...







7

لابد أن ثمرة البندق ستلعنك عندما تكسر قشرتهابآلةحادة..ولكنها حتما ستشكرك عندما تكتشف بداخلها هذا الكنز المخبوء..والنقد البناء والهدام هو الذي يكشف كنوزنا المخبوءة بداخلنا..هو الذي يفجر مواهبنا النائمة..هو الذي يحررنا من الكهوف الحجرية التي نعيش فيها..لذا فنحن مدينون للذين عاملونا بقسوةبمثل مانحن مدينون للذين عاملونا بحب..



8

في هذه الليلة كانت النوبتجية هادئة ..وبعد ان انتهيت من المرورعلي المرضي في القسم سيطرت علي رغبة في الحديث مع نائبي السنيور احمد حسين ..تملكتني شجاعة لا اعرف مصدرها..وقررت أن أضع نهاية لعذاباتي..أرخيت عضلات وجهي بقدر ما استطعت ..سأكف عن الدفاع عن نفسي بتلك الطرق التشنجية المريضة ..وقلت لماذا أترك نفسي للظنون في الوقت الذي أستطيع فيه معرفة الحقيقة ..حتي وإن كانت موجعة..قررت أن أسأله لماذا يتجنبني الجميع..قررت أن أصارحه بكل المشكلات التى أعاني منها منذ استلمت العمل في هذا القسم..كنت علي استعداد أن أسمع جميع عيوبي..والنتيجةكانت مدهشة..صارحني بأن المشكلة في القالب المتصلب الذي اعيش فيه..وكلامه بقدر ما أوجعني بقدرما جعلني اري نفسي بصورةاوضح..لم اتخيل بانني كنت متقوقعا علي ذاتي الي هذا الحد ..وانني شخص جاد الي هذه الدرجة الكئيبة..ومن يومها اصبحت أكثر مرونة ..وأكثر مرحا..ومن يومها لم أعد هذا الشخص المنبوذ من الجميع...وفي خلال شهور قلائل سأكون أقرب النواب الي د.اسامة الرفاعي..وستتغير نوعية المشكلات التى اواجهها بخصوص الآخرين..الذين قال عنهم فيلسوفي المفضل سارتر بأنهم الجحيم..


9

تماما كما اكتشف نيوتن قانون الجاذبية ..وكما اكتشف أرشميدس قانون الطفو وخرج عاريا يصيح وجدتها..اكتشفت انا قانون السيطرة علي الآخرين..في تلك اللحظة التي صارحت أحمد حسين فيها بحاجتي الي رأيه في شخصيتي..وكيف أتعامل مع الأخرين..لمحت في عينيه ومضة فرح قبل أن يجيبني ..الآخرون ليسوا بالقوة التي كنت أتصورها..إنهم جائعون إلي التقدير..إلي أحد يشعرهم بأهميتهم بصدق..يستمع إلي آرائهم الساذجة بانبهار.. يستمع إلي نكاتهم السخيفة ويقهقه..يستمع الي شكاواهم ويتأوه..اصبحت تلك اللعبة اللا أخلاقية لعبتي المفضلة..لعبة اللعب بالمشاعر..واللعب بالعقول..واللعبة لاتتطلب سوي حاجبين يندهشان ..وأذنين يستمعان..وشفتين تبتسمان أو تتحسران..وعقل يدعي البلاهة..والنتيجة مذهلة..أصبحت صديق الجميع..ولم يكتشف لعبتي سوي أبطال روايتي..لذا كنا نلعب مع بعضنا البعض بأوراق مكشوفة..و كان اللعب دائما ممتعا ..حتي الخسارة كانت بطعم الانتصار..


10

الاقتراب من امرأة كان أخطر عندي من الاقتراب من حقل ألغام..الغموض بقدر ماهو ساحر بقدر ماهو مخيف ..والمرأة كانت دائما كائنا غامضا بالنسبة لي ..تحيط بها هالة من الاقوال المغلوطة ولكن لها قوة اليقين ..وجبروت العقيدة..تماما كفكرتك عن اليهود قبل أن تقابل يهوديا..وفكرتك عن المغول قبل أن تقابل مغوليا..الخطر المحدد والمعروف والمرئي تستطيع أن تواجهه ..بل وأن تتغلب عليه..الاطباء النفسيون يعالجون مريض الفوبيا احيانا بمواجته بالشىء الذي يخاف منه بشكل مفاجيء..كأن يحبسوا مريض فوبيا القطط في غرفة بها عدة قطط..ليكتشف أن الخوف والهلع لايوجد إلا في رأسه فقط..ولا أفهم لماذا يربوننا بتلك الطريقة..المرأة دائما مرتبطة بالخطيئة والشيطان والجلدوالرجم وعذاب القبر والشجاع الأقرع والجحيم..وتخيلت دائما ان الوقوع في علاقة حب غير عذرية سيعقبها
سقوط صاعقة من السماء..وصفاء وهبة بددت تلك الاوهام..

11

طالما ساءلت نفسي تري ماهي مواصفات الرجل الذي تعجب به المرأة..وكانت الاجابة دائما محبطة ..فلابد أنه الرجل الوسيم والغني واللبق ذو المركز الاجتماعي الكبير..وانا يفصلني عن تلك المواصفات بون شاسع ..وأقفز الي النتيجة الهامة التي أكتبها على لائحة مضاءة بالنيون في مقدمة عقلي (من المستتحيل أن تحبني امرأة)..
والمدهش أن هذه اللافتة اللعينة يقرأها الآخرون أيضا ويؤكدونها لي..فأبصم بالعشرة بأنه من المستحيل أن تحبني امرأة...ولكن أبطال روايتى سيعلمونني كيف أفكر..وهل يحتاج التفكير الي طريقة الي تعلمه ..أليس الانسان كائن مفكر بالفطرة..ألايمارس الانسان الجنس بالفطرة..سحقا لهؤلاء البشر الذين يريدون تشويه فطرتنا..





12

رغم معاملته الجافة لي أثناء شهور نيابتي الاولي الا انني لم أستطع أن أكرهه..وبدا لي أن هذا الرجل لو حاول قتلي لما استطعت ان أكرهه..فقد كان إعجابي به فوق كل شعور ..وفوق كل منطق ..كنت مقتنعا بأن الخطأ لابد في..وعذابي يكمن في عدم استطاعتي تحديده.. وعرفت منه بعد ذلك انه كان يستطيع مساعدتي ..وأنه كان طول الوقت يراقبني ليري كيف أتغلب علي عقدي النفسية دون مساعدة أحد..ونجحت عندما وضعت يدي علي أول خيوط اللعبة..والدرس الاول الذي يجب أن يتعلمه كل طبيب تجميل ..وهو أن يضع يده علي مواطن القبح في العضو الذي سيقوم بتجميله..
طبيب التجميل – وهذا كلام د.أسامة- طبيب نفسي قبل أن يكون جراحا ..وفنان قبل أن يكون طبيبا..سألني ذات مرة
- لماذا اخترت جراحة التجميل؟؟
- لأنني عقب أول محاضرة لك أدركت بأنك المثل الاعلي الذي أريد أن أكون مثله..
وبالطبع لم أكن أجامله ..ولم أكن أمارس لعبتي المفضلة ..وكيف أجرؤ؟؟ ..وانا لست إلا كتكوتا في قفص صدره..
ثم سألته
- لماذا اخترته انت؟؟
هو يكره أن أقول له حضرتك ..بل يكره أن أكون مؤدبا بأي شكل من الاشكال ..فهو لايكره أحدا قدرا كراهيته للشخص المؤدب بفطرته والمؤدب اصطناعا..

وعلي طريقة الكتاب المملين..أخذ شهيقا عميقا وأخرج زفيراوأراح ظهره علي ظهر المقعد ..والمقعد كان كيت وكيت ..ثم أشعل سجارة نوعها كيت ..ثم أجاب بصوت كذا وكذا..الحقيقة أنني أحسد هم علي ثروتهم اللغوية الضخمة وعلي ذاكرتهم الحديدية القادرة علي تذكر أدق وأتفه التفاصيل ..وأصارحكم بأنني احتاج لعمر فوق عمري لكي أصل لمستواهم..المهم ..يري د.اسامة أن الطبيعة تحتاج دائما للمسة تجميل بشرية مهما بلغ مستوي جمالها ..فلوحة الغروب أجمل من منظر الغروب ..وقصص الحب علي الشاشة الفضية أجمل بكثير من الواقع..والاشجارفي الحديقة تحتاج الي بستانى ماهر يهذبها ويشذبها..يقول لي تخيل مثلا جميلات السينما بدون مستحضرات التجميل ..ستنفرمنهن بدلا من أن تتخيلهن في أحضانك..هل تعرف المثل الذي يقول كدب مساوي أحسن من صدق منعكش..هذا المثل عبقري ..فهو لايحرض علي الكذب بقدر ما يلفت نظرناالي أهمية أضفاء الجمال علي الصدق..
يمكنك أن تقول أيضا قبح مساوي أجمل من جمال منعكش ..وشر مساوي أجمل من خير منعكش..الانسان القوي هو اللي يقدر يعمل من الفسيخ شربات..ولانسانة الشاطرة هي التي تستطيع أن تغزل برجل حمار..الانسان القوي هو من تكون مهنته جزء من فلسفته في الحياة ..وبذلك يكون لوجوده معني يستحق أن يعيش من أجله..أنا جئت الي هذه الدنيا لكي أقوم بتجميلها من أجل نفسي ومن أجل أولادي من بعدي..وبدون قصد ..وبدون ادعاء بطولة سيستفيد الآخرون من محاولاتى الشديدة الانانية..لايوجد طبيب في القصر العيني لم يستفد من محاضراتي العلمية ..بل لا يوجد طبيب لم يستفد من أناقتي ..ومن أسلوبي في الحوار..ليس مطلوبا مني أن أهاجم النظام الحاكم لكي أكون مواطنا صالحا وشريفا..ليس مطلوبا مني أن أتظاهر في ميدان التحريرلكي أكون مواطنا صالحا وشريفا..مهمتي ومهمة كل أنسان في هذا الكون أن يتركه وقد أصبح أكثر جمالا عن ذي قبل..


13

للاستمتاع بالحياة طرق لاحصرلها..فنجان شاي تشربه مع صديق من أصدقاء الطفولة..الخروج مع فتاة جميلة لمشاهدة فيلم في السينما ..اختطاف قبلة منها وهي منهمكة في أكل الفيشار بتلذذ..تناول وجبة دافئة مع العائلة في ليلة شتاء ممطرة..زيارة الأماكن الأثرية..الذهاب إلي المصيف برفقة شلة الجامعة..الغناء في الباص أثناء رحلة إلي شرم الشيخ..حفظ قصيدة شعر ضربت علي وتر حساس في مشاعرك..أن تشد بامتنان علي يد مدرس عاملك بحب واحترام أثناء مراحل تعليمك الأولي ..أن ترقص في فرح جار عزيز عليك..أن تحكي نكتة ظريفة لزملائك في العمل وتنال استحسانهم..أن تقرأ رواية شيقة في نهاية يوم حافل بالعمل..أن تحب أغنية وتضعها نغمة علي هاتفك المحمول ليعرف الجميع رقي ذوقك..أن تنجح في إنقاص بضع كيلوجرامات من وزنك الزائد ..أن تكتب .. أن تكتب قصة حياتك في رواية ..ليس مهما أن يقرأها أحد ..ولكن الأهم أن تكتبها..أن تري حياتك علي الورق..لتبدأ في رؤيتها من جديد ..للمراجعة والحساب قبل فوات الأوان ..ليس مهما أن تكون محترف كتابة ..المهم أن تحكي بصدق وبنفس الالفاظ التى تتحدث بها ..هناك بشر خلقهم الله لوضع العراقيل أمامنا ..دائما يخبروننا بأن هناك طريقة صحيحة وباقي الطرق خاطئة ..الطريقة الصحيحة للصلاة..والوضوء..والاستنجاء..
والاغتسال..والجلوس علي المكتب ..والمشي..والمذاكرة..وممارسة الحب ..
دائما هناك الطريقة النموذجية والاجوبة النموذجية والاسئلة النموذجية..دائما هناك طرق يرسمها الاخرون لنسير فيها دون اعتراض ودون مناقشة..وانا هنا أتحدث عن حياتي بالطريقة التى أريدها..انا جراح تجميل والكتابة ليست مهنتي ولا أريد ..فتحي عبد المجيد بارع أكثر مني ..ويستطيع أن يقول في بضع سطورماأقوله في صفحات.
ولكن هل يوجد قانون سماوي أو أرضي يمنعني من التعبير عن ذاتي بالأسلوب الذي
أعرفه حتي وإن كان ركيكا في وجهة نظركتابنا العظام ..هؤلاء الكتاب الذين يكتبون بلغة لا أفهمها ويناقشون قضايا لا تهمني بروح عدمية يائسة تنتقل بالعدوي إلي نفوس قارئيها الأبرياء..وبدلا من أن تعاقبهم الدولة علي بث روح اليأس والحزن في نفوس الشعب تعطيهم الجوائز وتمنحهم القلادات..الديوان الذي يقرأه فتحي الآن مكتوب علي غلافه الفرح ليس مهنتي ..قسما بالله شاويش المسرح أكثر فائدة منكم يادعاة الاكتئاب..



14
لليوم الجميل صباح ذو رائحة منعشة لاتخطئها أنفي..عندما تصحو من نوم أشبعك وتفتح نافذتك وتفاجأ بالشمس تبتسم لك ابتسامة فتاة تحبك حب عبادة..فتبادلها الابتسام
راضيا عن نفسك وعن ظروفك المادية المتعسرة ..متيقنا بأن كل شىء سيكون علي ما يرام قريبا ..قريبا جدا..وأنك تسير في الطريق الصحيح نحو هدفك ..دخلت الحمام وأخذت دشا دافئا وأنا أدندن بأغنية شديدة العذوبة لفيروز(باكتب اسمك)..أختي الصغيرة رشا تراقبني وأنا متجه نحو غرفتي بدهشة باسمة ولكني لا أبالي واظل أغني بصوت أجش (باكتب اسمك ياحبيبي ع الحور العتيق..تكتب اسمي ياحبيبي ع رمل الطريق)..لاتصدقوا ما قلته لكم عن الصباح والشمس ..السر كان في أحساسى بهما .. ربع قرن وأن أعيش دون أن أنتبه للحظة واحدة أن في السماء شمسا وظيفتها الاساسية هي أن تسكب النور والدفء في حجرات القلب ..أن تبتسم للنوافذ وأبراج الحمام ..أن تهمس في أذن العصافير أن غنوا وافرحوا فالعمر أقصر من قصير..للمرة الاولي أنتبه وأستيقظ وأعي وأفهم وألاحظ وأسترخي وأتمدد علي السحاب..للمرة الاولي تقول لي فتاة كلاما ناعما كبشرتها وحلوا كثغرها وطريا كقوامها ومدورا وملفوفا كساقها وأصابعها..للمرة الاولي يرن هاتفي فأجري..ألهث..
أقفز ..أتنطط..أحتضن الوسادة..وأضغط علي الزر الاخضر..وأسمع .أستمتع..أطرب
..أنتشي..أصل إلي الأورجازم..نعم الأورجازم..وهي تقول بصوت ملائكي ..شيطاني..صوفي..شهواني..بدوي..غجري ..حضري..
- صباح الخيريا شادي
- صباح الخير ياصافي
تعاتبني بغضب مفتعل
- أيه اللي انت عملته إمبارح ده
أتساءل بخبث أعرف أنها ستحبه
- ايه اللي عملته؟
-استعبط
-صدقيني مش عارف بتتكلمي عن أيه
- اللي انت عملته امبارح في السينما..
علي فكرة أنا محترمة جدا..واللي حصل
مش هاسمح يحصل تاني ..عيبي إني
وثقت فيك..ما حدش لمسني قبل كده غير جوزي
- جاية المستشفي النهاردة ولا؟؟
- مش عارفة..هافكر..
- وبعد تسعة ..ياتري هتبقي فاضية
- مش عارفة ..هافكر..

15
رغم أن فتحي عبد المجيد جراح تجميل شاطرومشهورإلا أن أحساسا بالمرارة لايفارق نظراته الحادة النافذة وضحكته الساخرة وقفشاته اللاذعة ..يقول لي بأنه نجح في الطب ليس حبا فيه ولكن مثله لن يفشل حتي ان امتهن الحلاقة . .وانا أصدقه في ذلك..عيبه الوحيد هو ذاكرته المثقوبة كمنخل ..فمرة يخبرني بأن هندسة المعمار هي المهنة التي خلق من أجلها..ومرة التمثيل..ومرة الشعر ..ومرة تدريس التاريخ..ومرة الكتابة للمسرح ..ومرة رسام كاريكاتير.. لم يترك مهنة إلا وتمني أن يعملها..ذات مرة ونحن ندخن سجارة حشيش معا علي كوبري عباس سألته
- قوللي ياباشا لو انت مش جراح تجميل تتمني تشتغل أيه؟
- حلاق
- إشمعني
- عشان أبقي بارد وجلدي تخين ..عمرك سمعت عن حلاق انتحر
رغم أن رده أضحكني إلا أن حديثه عن الانتحار أقلقني..وخصوصا أنه اعترف لي من قبل بأنه عاني من الفصام في بداية مراهقته ..ودخل مستشفي أمراض عقلية لثلاث شهور..ولم يتم شفاءه إلا علي يد شيخة تدعي صباح في مدينة طنطا..
- لأ بجد .. اشمعني
- عشان أبقي روائي كبير..أنا متهيألي لو أي حلاق كتب بس نص اللي في دماغه
هيبقي أعظم من دستوفسكي وتولستوي وديكنزونجيب محفوظ..
- أنا احترت فيك ..انت مش ملاحظ إنك كل مرة أسألك تقوللي حاجة مختلفة
يضحك ضحكته العذبة المغلفة بالمرارة
- يا شادي ..أنا من كتر حبي للدنيا بقيت باكرهها..عايز اليوم يبقي ألف ساعة
عشان يادوب الحق اعمل نص الحاجات اللي نفس اعملها..كتب عايز أقراها..
وأفلام عايز أشوفها ..وأغاني عايزأسمعها..وبلاد عايز أزورها ..وستات عايز أنام
معاها..وروايات وقصايد عايز أكتبها..أنا لو كنت عشت أيام ابن سينا وابن خلدون..
كان زماني بقيت زي الناس دول..بس في الزمن ده أنا ولاحاجة ..حيالله جراح تجميل..
- علي فكرة انت مكبر الموضوع قوي ..وواخد الدنيا جد أكتر من اللازم ..انت نسيت كلامك ليا..ولاباب النجار مخلع..وتاني حاجة أنا عمري ماقابلت حد بيستمتع بحياته قدك ..احمد ربنا ..كل الناس اللي ماشيين قدامنا دول لو سمعوك هيرموك في النيل فورا..انت أيه اللي كان بينك وبين صفاء وهبة؟؟


16

ربما كانت ملامحه غير متناسقة ورأسه صلعاء ..ولكن من ذا الذي يستطيع أن ينتبه


إلي قبح رجل ناجح وأنيق..أنيق أناقة عبدالوهاب والسادات وبيل كلينتون..يالك يأسامة يارفاعي من سوبر مان..كيف تجد الوقت والحماس لتفعل كل هذا بحياتك؟؟
لايبدو عليك أنك درت حول الشمس ما يزيد عن خمسين دورة ..بل هي التي تدور حولك ..كل من يقابلك لابد أن يدور حولك..كأنك تعيش خارج الظروف..وخارج المستحيل..فلا محل للإعراب لهما في قاموسك..الذي أحاول أن أتصفحه لعلي أصير يوما مثلك..في بيت فقير نشأت وهأنتذا تمتلك واحدا من أكبر المستشفيات الخاصة في مصر الجديدة..وما لاحصر له من الشقق والسيارات دون أن تمتد يدك إلي مال ليس لك.. ولديك كل الحق حين قلت لي ذات مرة بأنك لاتعمل من أجل المال ..المال هو الذي يعمل من أجلك..لاتفكر في المال كما يفكر فيه غيرك ..ومع ذلك لايكف عن التودد والتذلل بين قدميك..أعرف أنك تكره كراهية عمياء كل المفردات التي تجعلنا مجرد عرائس متحركة في يد القدر العابث..تكره الفقراء والعجزة الذين ينتظرون الغوث والمدد من كل أحد ..وكل شيء إلا أنفسهم وعقلهم وإرادتهم..الكل يتحدث عن الفساد الذي استشري في لحم الوطن كسرطان خبيث ولا يعرف أنه جزء منه .. الكل يرمي فشله وخيباته المتوالية علي هامات الرؤساء والقطط السمان دون أن يعرفوا أنهم فئران ذليلة وجبانة ومنسحقة ..لا يوجد أحد مظلوم في هذه الدنيا ..الكل ينال الحياة التي يستحقها..هذا ما تعتقده...والغريب أنك لاتعتقد في شيء سوي ذلك ..ونجاحك الواضح كالنهار يبرهن علي صحة ما تعتقده..أنا معك في كل حرف تقوله
رغم انني أعيش تحت خط الفقر..وتحت خط الفشل ..ولكنني أتشبث بالأمل وتلك القشة الواهنة في يد المستقبل الضحوك..أتذكر دائما كلامك ..النجاح لايعتمد علي مدي ما يمتلك الانسان من ذكاء أو موهبة ولكن علي مدي ما يمتلكه من حماس ورغبات مشتعلة ..لو يعرف الناس مافي كلمة الحماس من قداسة لعبدوها وصلوا وصاموا وحجوا حولها..اقترب من كل الاشخاص الذين يعيشون حياتهم بحماس..تنصحني دائما ..لذا أنت تكره الهدوء الساكن الميت ..وتعشق الصخب والضجيج والهيصة والزحمة ..لذا أنت تعشق أمريكا..بأفلامهاالمرعبة..وأغانيها الصاخبة..وملابسها المتحررة..ولغتها المتمردة ..وفلسفتها المجنونة ..وناطحات سحابها العملاقة ..ومشروباتها المنعشة ..وشبابها الغاضبين..الأموات لا يستطيعون بناء حضارة ..الاحياء فقط هم من يستطيعون ذلك ..والحماس هو الروح الذي ان انطفئت انطفأ الجسد كله ..وينبغي أن يكون هدف ..وينبغي أن تشعر أن الهدف مهم ..وأنه يستحق أن تموت من أجله..إن لم تستطع أن تعيش له وبه وفيه..

17


تعرفت علي مدحت جودة – صحفي بمجلة ثقافية لايقرأها سوي محرريها – في عيادة الجراحة ..شاب في الثلاثين من عمره .وملامحه قريبة الشبه من الممثل عمر الشريف ..وفي يده ديوان لشاعر يدعي عفيفي مطرلم أقرأ له من قبل ولا من بعد سوي شطربيت لم أستطع أن أنتقل منه للبيت التالي..كان يشكو من كبر حجم أنفه وسوء منظرها ويريد أجراء عملية تجميل في أقرب فرصة لأنه خلاص علي وش جواز..الواقع أنني صعقت ..كانت المرة الأولي في حياتي المهنية التي أري فيها إنسانا فائق الوسامة يري نفسه بكل هذا القبح ..والمدهش أكثرأنه مثقف ويقرأ لشاعرلايستطيع أحد فهمه في مصر سوي أشجار الجميز وروث البهائم..حاولت إقناعه بأن أكبر جراح تجميل في العالم لن يستطيع أن يجعل أنفه أجمل مما هي عليه..وكان واضحا انني أؤذن في مالطة عندما أجاب في قرف:
- إنت شكلك لسه دكتور امتياز ..ومش فاهم حاجة ..انا غلطان اني تصورت ان البلد دي ممكن يبقي فيها ذرة خير
بطيبة قاسية تعلمتها من فتحي عبد المجيد أجبته
- يبقي في المرات الجاية ماتبقاش غبي واتصور صح..القبح مش في مناخيرك ..القبح في دماغك وعينك ولسانك والديوان اللي في أيدك
فجأة لانت أساريره وقال بأسلوب أكثر أدبا
- ديوان ..هو حضرتك ليك في الشعر..
سرني أن يكون لردي كل هذا التأثير الايجابي ..واكتشفت لاول مرة بأنني أمتلك شخصية قوية دون أن أدري ..فيما مضي كنت أقابل الاهانة بالصمت العاجزالضعيف ..حتي الشخصية القوية يستطيع أن يكتسبها الانسان (إن أراد)..
أجبت بصوت ملؤه الثقة والغرور المتواضع متقمصا أسامة الرفاعي
- انا دكتور تجميل وشغلانتي اشوف كل الحاجات الجميلة في الدنيا
كالغريق حين يتعلق بقشة
- يعني حضرتك شايفني فعلا وسيم ولا مجاملة
بمرح قلت
- لو قوم لوط كانوا موجودين ولا ابو نواس كانوا جاوبوا بدالي
ابتسم حتي بدت نواجذه..وسرعان ما تحولت الا بتسامة إلي ضحكة ..وسرعان ماتحولت الضحكة إلي قهقهة مدوية وهستيرية ..كالبحر حين يقرر التخلص من الجثث والقذارات التي تراكمت فيه ليعود بعدها رائقا صافيا شفافا ..كالسماء حين تمطر لتتخلص من غيومها الملبدة ..كالمعدة حين تتقيأ لتتخلص من طعام فاسد ..كالمثانة والمستقيم ..كالعين حين تدمع ..كالعاصي حين يتوب ليبدأ من جديد..بدا أوسم بمراحل من عمر الشريف ..ولحظتها تأكدت من جملة أسامة الرفاعي بأن الضحك أرخص عملية تجميل ..أرخص من تعريفة وقرش صاغ ..ويبدو أن الحصول علي تلك العملة التافهة أصعب من الحصول علي الاوراق المالية الكبيرة نظرا لندرتها لقلة الاقبال عليها..فكرت في العدد صفر..هذا العدد الذي يحتقره الجميع ..ولكن وجوده جوار عدد آخر يضاعف قيمته بشكل مذهل ..وكلما كثرت الاصفارجوارعدد كلما ازدادت قيمته وعظمته ..فكرت في الاشياء التافهة والتي لايأبه أحد لها والقادرة علي إضافة الكثيرللقليل الذي نملكه ..الابتسامة ..الضحكة..الكلمة الطيبة ..اتصال هاتفي بصديق قديم ..رواية تقرأها أثناء سفرك..دعابة مبتكرة..أشياء صغيرة تتراكم فوق بعضها لتبني هرما من النجاحات المتوالية..بدعابة اكتسبت صديقا في هذا اليوم ..بدعابة جعلت يوم انسان قابلته أسعد .. أعاهد نفسي أن أفعل ذلك باستمرارقدر ما أستطيع..


18

علا الشربيني فتاة محجبة وتقاطيع وجهها لاتخلو من جمال..ولكنه الجمال المقبول الذي لايحرك غرائزي كرجل ..شعوري تجاهها صورةطبق الاصل من شعوري تجاه أختي رشا..في التاسعة والعشرين من عمرها ولكن أحدا لم يتقدم لها بعد ..ألمح في عيونها هذا الرغبة المتأججة في الحب (بمعانيه السامية والمنحطة)..ولكنها رغبة خائفة مذعورة مسحوقة وكأنها رغبة غير مشروعة ولايصح لها أن تفكر فيها مجرد تفكير..كأنها حين تفعل ذلك تخون جميع القيم التي تربت عليها ..كأنها تخون أباها وأمها وأخوتها الذكوروالمصحف الذي تحمله دوما في حقيبتها..ألمح في عيونها ألم الخطيئة الخيالية التي ترتكبها رغم أنفها ..ألمح الزمن وهويسير كغوريلا عملاقة ساحقا عصافير أحلامها البسيطة ..أحلامها في أن تسمع كلمة جميلة من رجل ..أن يضع يديه علي يديها في كافيه مطل علي النيل ..أن تلمح نظرة حسد في عين زميلاتها حين تنتحي جانبا وترد علي مكالمته الهاتفية التي قد تدوم لأكثر من ساعتين ثم لا تتذكر بعدها جملة واحدة مفيدة قيلت..ألمح في عيونها(وهذا ما يمزقني وأنا أقوله) مشروع مريضة نفسية ..وهذا ما لاحظت إرهاصاته في الايام الاخيرة ..عدم الرغبة في الحديث مع أحد ..مشاكل مستمرة مع تمريض القسم بسبب مشاكل تافهة ..خناقتها مع صفاء وهبة واتهامها لها بالكفر حين قالت صفاء أمامها بأن رجلا واحدا لايكفيها وأنها تتمني ان تعيش في أوربا لتعيش علي حل شعرها دون أن يتهمها أحد بالعهر..لم تكن المرة الاولي التي تسمع من صفاء هذا الكلام ..بالعكس كانت تقول عنها بأنها جدعة وبميت راجل وان الله سيغفر لها نزواتها بسبب طيبة قلبها وترفعها عن إيذاء أحد حتي بمجرد الكلام عنه في غيبته بما لايسره ..كانت علا قادرة علي رؤية الجوانب المضيئة في الشيطان نفسه..وكانت تتحمل تساؤلات فتحي عبد المجيد الفلسفية التي لاتخلو من زنذقة وتقابلهابابتسامة المتفهم الذي يبحث عن إجابة هو الآخر....ولكن يبدو أن لكل إنسان طاقة احتمال يفقد بعدها توازنه ويسقط حتي يتحول إلي شظايا ..ويدفعه الخوف من شماتة الآخرين فيه ألي مبادرتهم بالسب والقذف والتهديد ..وكأن لسان حاله ( لن أضيع وحدي ..سوف أهدم المعبد علي كل من فيه ..لن أكتئب وحدي وأترككم تضحكون ..لن أموت وأترككم تعيشون ..سوف أجعل حياتكم أشد تعاسة من حياتي ..وانا وانتم والزمن طويل)



19



إذا تأملت أصدقاءك ستكتشف بانهم هؤلاء الاشخاص الذين عاشوا طفولة تشبه طفولتك البائسة ..ويحلمون نفس أحلامك المتواضعة أوالكبيرة..ويعانون من نفس مخاوفك وعقد نقصك ..ومناجاتك معهم تشبه مناجاتك لنفسك ..لذا حين تجلس معهم يكون البساط أحمدي والنبي عربي وما في قلبك علي لسانك عدل بدون تجمل أو تحفظ..وطفولة مجدي خليل – رغم فارق العمر- تكاد تتطابق مع طفولتي بكل ما فيها من حرمان وجفاف وجدية ..وان كنت لاأتمني أبداأن أنتهي إلي ماانتهي إليه رغم أنني من أشد المعجبين بالسعادة الروحانية التي يعيش فيها ..المجد الذي وصل إليه أسامة الرفاعي يستهويني أكثر ..والملذات الجسدية التي يرتع فيها فتحي عبد المجيد تستهويني أكثر وأكثر..ولكنه قررأن يعيش بهذه الطريقة ..وأنا أحترم قراره ..هو لايحتمل الحياة المتوترة المشدودة اللاهثة ..ولا يجد سعادة في معرفة أكثر من أمرأة..ولا في اقتناء سيارة أحدث موديل ..ولافي السكني في فيلا تحيطها حديقة غناء..وأنا أشتهي كل ذلك ..أنه يردد مع سقراط حين وقف أمام محل زاخر بما لذ وطاب من السلع (ما أكثر الاشياء التي لست في حاجة إليها)..وهو محبوب من الجميع لأنه لا يتصارع مع الدجاج علي حبات القمح المبعثرة..يعيش علي مرتبه الضئيل الذي يتقاضاه من الجامعة عيشة مستورة ..وبقية يومه يقضيه مع محيي الدين ابن عربي والنفري وجلال الدين الرومي وحديث الروح والقلب يعشق كل جميل..
يقول لي بأنه فتح عيادة عقب حصوله علي الماجستير ولكنه لم يستطع أن يكون تاجرا وابن سوق مما اضطره إلي إغلاقها ..وفي هذه الاثناء التقي بأحد أقطاب الصوفية في مصر(سأستسمحكم في عدم ذكر اسمه) و وجد في هذا الطريق ضالته ..وتزوج من إحدي بناته وأنجب منها ابناوحيدا يدرس الآن بكلية من الكليات الأدبية المرموقة سيقلب حياته رأسا علي عقب ..وهو ما سيأتي ذكره فيما بعد..


20
أنا الذي ينطبق عليه هذا المثل(أول ما شطح نطح)..لم أتخيل أبدا أن يصل فجوري إلي هذا الحد ..وأن تبلغ بي الجرأة والاستهتار إلي هذا المدي ..أن أنام مع أمرأة متزوجة في شقتها ..كانت الرغبة أعنف وأشرس من أن تدع لي ذرة عقل واحدة أفكر بها..بخبث شديد أستطاعت صفاء أن تستدرجني من حيث لا أشعرولاأعلم ..البداية كانت دردشة علمية ..والعلمية تحولت إلي شخصية ..ثم إلي صداقة بريئة..ثم كان الخروج في سيارتها لحضور مؤتمر علمي في أحد فنادق مدينة نصر..ثم أقتراح شديد البراءة منها في مشاهدة فيلم دينزل واشنطن الأخير في أحد سينمات سيتي ستارز..وفي السينما كانت القبلة الأولي ..تدعي الغضب وتأخذ شنطتها وتخرج والفيلم لم يزل في بدايته..أجري خلفها بسذاجة ضحية تحاول الاعتذار لجزارها..(اتضح لي فيما بعد أن صفاء وهبة تحترف اصطياد الرجال الذين ترغبهم بطريقة تعلمتها من فتحي عبد المجيد وبالتالي تعلمتها أنا منها بعد أن اشتد عودي)..
تفتح باب السيارة (لم ألحظ ضحكة عينها الخبيثة وقتها أو لاحظتها ولم أفهمها)..أقول متضرعا
- صفاء ..والله ما اقصد ..انتي اللي حلوة زيادة عن اللزوم
لاترد ..أفتح باب السيارة الآخر..أركب ..فترة صمت طويلة ..لا أعرف من أين أبدأ..الطريق شبه خال .. تتوقف ..نظرت إلي وعيونها تقول ..تصرخ.. تهمس.. تضرع.. تبتهل ( اغتصبني..أطفئني حتي لايتبقي مني غير رماد ..استعمرني مدينة مدينة..وانهب قصوري قصرا قصرا..واذبح واحرق واقتل حتي لايتبقي مني سوي أطلال)..ومن القمقم خرج هولاكو وجنكيزخان ليدمرا بغداد ..ومن القمقم خرج نيرون ليشعل روما ..وبخبرة عاهرة عجوزتدفعني بيدها لكي أتوقف عن التقدم بعد أن صار التراجع مستحيلا ..وتقول بنبرة قاطعة
- هنكمل عندي في الشقة .. جوزي هيبات عند مامته النهاردة ..والولاد بياكلوا رز مع الملايكة.
ولم يكن من الممكن لحظتها أن أفكر ..لقد صبرت علي الحديد حتي وصل إلي مرحلة من السخونة تجعله ينكسر بمجرد النفخ ..( سأتوقف الآن عن وصف ما حدث خوفا من أن تقرأ أختي رشا شيئا يهز صورتي أمامها كمثل أعلي )




21

أحمد حسين شخص متوسط الذكاء ولكنه قادرعلي إقناع الناس (المحدودي الذكاء وهم غالبية المجتمع) بأنه عبقري وفلتة زمانه ولم تلده ولادة ..وهو يفعل ذلك عن طريق الكلام والدي ع الودان ( اللي هو أمر م السحر)..دائم الثرثرة عن قدراته الجبارة في الطب ..وكيف أنه اتفحت في أيام الامتيازوبداية النيابة لكي يصل إلي ماوصل إليه ..وكلامه مرصوص بعناية شديدة تجعلك تبصم بالعشرة خلفه دون أن تتسلل إليك ذرة شك واحدة..وعبقريته ليست قاصرة علي الطب فحسب ..بل تمتد إلي كل المجالات ..في الكرة ..وفي السينما ..وفي التاريخ ..وفي الأدب ..وفي السياسة..وفي الاقتصاد ..بل وفي علم الفلك أيضا..وثقافته سمعية وسطحية بصورة مثيرة للضحك والغيظ في آن واحد ..ولكنه قادر علي ذكر بعض التفاصيل التي لايعرفها سوي المتخصصين وإن لم يفهمها..فمثلا عندما يجيء الحديث عن نجيب محفوظ يحد ثك عن أقل رواياته انتشارا(ليالي ألف ليلة) ويقول بأنها رواية عبقرية حيث استلهم العمل الخالد ألف ليلة وليلة بصورة غير مسبوقة ..وعندما يجئ الحديث عن ثورة يوليو يحدثك عن ضباط أحرار لم تسمع عنهم من قبل مع تطعيم الكلام بمواقف لايستطيع جمال عبد الناصر نفسه مراجعته فيها إذ أنها أتفه من أن يعرفهاأحد..حتي الكرة لايتابعها عن حب ..أنه قد يكتفي بمتابعة بعض التحليلات الرياضية ليقولها أمام الزملاء بثقة تجعل من لايعرفه يتصور أنه قد ولد في استاد القاهرة..والحقيقة أنه أبهرني في بداية علاقتي به ..وتصورت أنه أسامة الرفاعي القادم ..حتي جاء يوم ورأيته في غرفة الطواريء واقفا أمام جرح في أحد أوتار الأصابع (وهو ما يعتبر لمن مضي علي نيابته شهر واحد في الجامعة تحصيل حاصل) غارقا كالنملة في شبر ماء..كدت أن أقع علي ظهرى يومها من شدة الضحك.. الواقع أننا كزملاء له كنا فاقسينه وهارشينه تماما واستهترنا به .. ومن سخرية القدر أن يكون أول زملائه في الحصول علي الماجستير..وأن يفاجئنا ذات يوم بقدومه سائقا سيارة تويوتا كورولا 2007(بتاعته طبعا مش شغال عليها) ونحن نعلم أنه من قرية في أطراف الجيزة ..وأن أهله ناس فلاحين وغلابة علي قد حالهم ..ونفاجأ بزواجه من أبنة مهندس شهير وعضو في مجلس الشعب ..رغم أنفنا بدأنا نهتم به ..وبدأنا نضرب كفا بكف وهو يسير كالديك المخصي( الاسم الذي نسميه به فيما بيننا) في طرقات القصر..

22
ورقة من دفتر يوميات أسامة الرفاعي

في حياتي السابقة مسلسل من الصدمات ..كان يعقبها دائما فترات من الحزن والانطواء ..بعدها أستعيد عافيتي النفسية وأستمر..أيامها كنت أصغر من أن أفهم..وأقل من يكون لي موقف ورأي ..لذا كان هناك دائما برميل كبير في مؤخرة رأسي أرمي فيه زبالة همومي وعلامات استفهامي ورفضي وتمردي وأمنياتي المحبطة..والصدمة كانت عبارة عن اكتشافات ..والاكتشاف معناه أن هذه الاشياء كانت موجودة دائما ولكنني أنتبه لها للمرة الاولي..اكتشافي بأنني فقير ..والمنزل الذي أسكنه غير آدمي(في زقاق متفرع من حارة متفرعة من الشارع العام في صفط اللبن..وما أدراكم ما صفط اللبن) ..ومهنة أبي حقيرة (موظف في مجمع التحرير معدوم الدخل)..والملابس التي أرتديها بالية ..والشنطة التي أحملها خلف ظهري وأنا ذاهب إلي المدرسة الابتدائية مثيرة للسخرية ..وحذاء قدمي مثقوب ..وفانلتي الداخلية غارقة في دم البراغيث..ولايوجد في بيتنا الكثير من الادوات الكهربائية الحديثة ولاهاتف منزلي..وأنني لاأستطيع شراء الكثير من الكتب الخارجية التي أنا في حاجة إليها..في فترة الجامعة يتحول المراهق (المولود وفي فمه ملعقة ذهب) إلي عود مشدود الاوتار.. كل شيء حوله يدفعه إلي عزف أجمل النغمات وأشدها عذوبة ..فهو يبدأفي التعرف علي البنات الجميلات ..وارتياد دور السينما والمسارح والنوادي والبلاجات.. وقراءة قصص الجاسوسية والمغامرات والجريمة والخيال العلمي ..وممارسة هواية كالغناء ..أو العزف علي آلة موسيقية يحبها..أو كتابة الشعر العاطفي المشحون بكل سذاجة المراهقة ومثاليتها..أو التباهي بكثرة البنات القادر علي معرفتهن ..أما من عاشوا مثل ظروفي فإن النسيم العليل وهوا العصاري يكفي لقطع أوتارهم المشدودة..وفي تلك الفترة (في نهاية السبعينات)أدركت – دون أن أقرأ حرفا واحدا للفيلسوف العظيم سارتر- أن ما يصنع حياة الإنسان ليست ظروفه ولكن موقفه من تلك الظروف..يستطيع أن يخجل منها ..أو يتباهي بها..أو يتجاهلها..أو يعتبرها حجر عثرة في سبيل طموحه ..أو يعتبرها حافزا أهداه له القدر لكي ينطلق بقوة إلي تحقيق أسطورته الذاتية ..والموقف الأخير هو الذي اتخذته ..كرهت الفقر ..ولكنني لم أسمح له أن ينغص علي حياتي ..تمنيت أن أعيش وأتزوج من الطبقة الراقية ..وبدأت العمل من السنة الثانية في الكلية بالوقوف في صيدلية دكتور قريب لأمي من بعيد ..وتعلمت حقن الوريد والعضل والغيار علي الجروح وتركيب المحاليل ..وفي خلال عام واحد أصبحت أشهر دكتور ممرض في صفط اللبن ..كنت أذهب للبيوت حاملا حقيبة (مازلت محتفظا بها ) وأقوم بعملي كممرض علي أتم وجه ..ومن اللحظات التي لاتنسي حين كنت أعود للمنزل وأبدأفي عد الفلوس التي كسبتها ..وألمح الفرح وهو يقفز في عين أمى وأبي ..وأصبحت كل المستحيلات – في خلال ثلاثة أعوام – ممكنة..لاتحتقر ما يمكن أن يكسبه ممرض مجتهد حتي في أكثر الفترات ركودا..ولكن هذه الفترة لم تكن راكدة (نهاية السبعينات وبداية الثمانينات)..كانت هناك حالة من الانتعاش تشهدها القاهرة بسبب ارتفاع اسعار النفط وعائدات قناة السويس وتحويلات المصريين من بلاد الخليج واستثمارات المصريين في الداخل في بناء العمارات وافتتاح البوتيكات ..اشترينا شقة متواضعة في حدايق المعادي ولكنها – مقارنة بمنزلنا القديم – تعتبر قصرا ..تخيلوا بكم؟ ..بخمسة آلاف جنيه ..ودخلت بيتنامعظم الآلات الكهربائية من غسالة نصف اوتوماتيك وثلاجة إيديال (8قدم) وتلفاز ملون (21بوصة)ومروحة ناشيونال ياباني ..لم أخف يوما من فكرة التقسيط ..كنت أوقع علي وصولات الأمانة بكل ثقة ولدي يقين بأنني ساستطيع السداد دائما في الوقت المحدد مادمت أتنفس..في هذه الفترة تعلمت ألا أفترض السوء في المستقبل ولا في الحياة ولا في الأصدقاء ولا في الساسة الذين يحكمون البلد..ليس لأن هذا هو الواقع ..ولكنني تأكدت بأن هذا الافتراض سيضرني(علي المستوي النفسي والبدني والمالي) أكثر بكثير مما ينفعني..واحتقرت كل إنسان يدمن الاعتراض والشكوي والنقد ..احتقرت كل من يعيشون في دور الضحية ودور الشهيد حتي وأن امتلكوا ألاف الأدلة التي لاشك في صحتها..البعض اعتبرني انتهازيا ..والبعض اعتبرني غبيا وجاهلا وغير مثقف ..والأهم أنني اعتبرت أسلوبي وطريقتي في التفكير أكثر فائدة للمجتمع ولنفسي من شعاراتهم الجوفاء والعقيمة..وهاهي الأيام تثبت صحة ما اعتقدته ..أصبحت واحدا من أشهر جراحي التجميل في مصر ..والمرضي الذين عالجتهم ..والاطباء الذين علمتهم لا حصر لهم ..وعندما عرض علي رئيس الوزراء السابق منصب وزارة الصحة رفضت متعللا بظروفي الصحية ..لأنني أخذت عهدا علي نفسي في بداياتي أن أستمد قوتي وسلطتي من ذاتي وعقلي ومواهبي ..وليس من منصب شكلي ..يبدو من يتبوأه أنه سيد قراره ..والواقع أنه ليس سوي عبد مأمور ..ويتحدد طول بقائه فيه بقدرته علي الانسحاق والتلاشي تحت أقدام من يعلوه واستعداده الدائم علي تقديم فروض الولاء والطاعة..






23

حدثتني صفاء عن زوجها أحمد البلتاجي كثيرا وكم تمنيت أن أراه..قالت بأنه محاسب في البنك المصري المركزي وأنه وسيم وأنها تزوجته عن حب وأنه يؤدي واجباته الزوجية علي أنقص وجه.. وأنه مازال يحبها ..وقالت أيضا بأن الحب الحقيقي لانقابله إلا بعد الزواج ..وهو ما حدث لها حين قابلت فتحي عبد المجيد ..ولكن فتحي ليس له عزيز أو غالي.. ويسخر من عواطفها ولايري فيها إلا رفيقة عمل وفراش لاأكثر ولا أقل ..وقالت أيضا بأن الذي حدث بيننا نزوة يسعدها أن تتكرر حين تسمح الظروف..وقالت بأنها علي استعداد أن تعيش راهبة إذا أمرها فتحي بذلك ..ولكنه لايفعل ..ولايبالي بها أساسا إلا حين يعجز عن اصطياد امرأة جديدة ..وهو الأمر الذي يحدث كل فين وفين (موت ياحمار)..وقالت وهي تبتسم ابتسامتها اللامبالية المحببة بأن أسعد ما حدث في حياتها أخيرا هو نومها مع سائق تاكسي حاصل علي الابتدائية(يابنت الفاجرة)..وأغرب مافي الحياة أننا نتكلم دائما عن الأخلاق والمثل العليا إلا أننا لا ننجذب إلا إلي الخارجين عليها والمستهترين بها (لا تعترضوا ..أنا ابن الكلب الوحيد الذي ينجذب إليهم)..وقالت بأن زوجها يعرف حبها لفتحي الذي تردد اسمه كثيرا وهي نائمة ..وأحيانا تخطىء وتنادي علي زوجها باسمه ..وقالت بأنه ضربها ضرب موت إلي أن صرخت فيه (طلقني ..مش طايقاك ..احمد ربنا.. مش كفاية مستحملاك)..عندها أجهش بالبكاء كطفل ستتركه أمه..عندها انعقد لسانه ..هو يحبها ..ولا يستطيع الاستغناء عنها..كيف يترك المرأة التي تتحمله ..وتربي أولاده (أيمن وسمير)..والتي تحافظ علي وجاهته الاجتماعية(متزوج ومستقر)..إذا طلقها من أجل كرامته الجريحة سيضيع ..الزيجة الثانية ليست بالسهولة التي يتخيلها الواضعين أيديهم وأرجلهم في الماء البارد..إذا طلقها سيطلق الناس لأخيلتهم العنان ..وسيكون التفكير في عجزه الجنسي أو في خيانتها له أول ما يفكران فيه ..وسيحالفهم الصواب ..كيف سأواجههم بعد ذلك(ستنطلق كل هذه التساؤلات كالكلاب السعرانه في داخل جمجمته) ؟؟ وبأي وجه سأعاملهم ..وهم يتشككون في رجولتي ..نعم ..لابد أن نكون صرحاء ..في مجتمعاتنا تختلط الرجولة بالذكورة ..الرجولة ليست شرفا وأمانة وإتقانا للعمل واحتراما للكلمة والمواعيد ..الرجولة تتناسب طرديا مع ضخامة قضيبك والمدة التي يظل فيها محافظا علي انتصابه..وهم يفكرون في العجز والخيانة كأهم أسباب الطلاق لأنهم يعانون منهما (حتي علي سبيل الظن )..الكل يعتقد داخليا(في أعمق أعماق العقل الباطن) أنه ليس فحلا كما ينبغي عليه أن يكون..والكل يعتقد داخليا أنه ليس فارس أحلام شريكة حياته.. وهم يخشون أن يواجهوا أنفسهم بظنونهم الملعونة ..ولكن ما أسهل أن يتهموا غيرهم بها..ولحظتها يهنئون أنفسهم لسببين متناقضين تماما..الأول أنهم ليسوا كذلك ..والثاني أنهم ليسوا وحدهم كذلك ..والثالث (ماتعدوش ورايا) أن الآخرين لايعرفون أنهم كذلك .. لهذا السبب يكفي معظم الأزواج باجورا علي الخبرويستأنفون حياتهم وكأن شيئا لم يكن ..وبسبب هذا الطناش تنخفض معدلات الطلاق في مصر(ازدادت في الفترة الأخيرة ..وهذا مؤشر ايجابي جدا علي قدرة المصريين علي مواجهة الحقيقة القبيحة)..ولانريد أن نتكلم عن أشياء من قبيل الشقة من حق الزوجة (اثبت أنها خائنة لكي تصير فضيحتك بجلاجل ويشمت فيك من يساوي ومن لايساوي) ومؤخر الصداق (ويادوب اللي جاي علي قد اللي رايح) والنفقة والمتعة وعدد العادات السرية التي ستمارسها حتي تجد زوجة أخري(وستحل مشكلة الخيانة ولكن ماذا عن العجز)..هل عرفتم الآن كم كان أحمد البلتاجي عاقلا جدا حين أرتضي بالأمر الواقع (الزواج- كالسياسة-هو فن الممكن والقرارت العنترية تقضي عليه)..




24

عندما أري شخصا ملتحيا أفكر في أنه تكمن تحت كل شعرة من شعرات لحيته عقدة نفسية تنغص عليه حياته وحياة أسرته وزملائه ..وأنه تحت كل تقطيبة من تقطيبات جبينه حقل ألغام من الحقد والكراهية لكل ماهو ممتع وجميل في هذه الحياة..هو بالتأكيد شخص تعيس..ولايعرف ذلك ..ولايعرف سبب ذلك ..بل يحاول إقناع نفسه بأنه يسبح في نهر من حلاوة الإيمان ..وأن الملوك لو يعرفون حجم سعادته لحاربوه عليها بالسيوف..كل ما يعرفه أنه كان يعيش معيشة ضنكا حين كان ضالا ثم أنعم الله عليه بالهداية .. والضنك كان بسبب البعد عن الله ..وهاهو قد اقترب منه..وفرحته حين ينجح في حفظ بعض السور وبعض الأحاديث لاتدانيها فرحة..وخصوصا حين تسنح له الفرصة في استعراض محفوظاته في إمامة المصلين في صلاة جهرية أو في إلقاء خطبة عصماء عليهم عن العذاب الذي ينتظرهم بسبب ضلالهم وبعدهم عن الله (كم يتمني أن تنال خطبته إعجابهم لكي يحظي بشهرة شيوخ ودعاة الفضائيات)..
كل هذا دار في رأسي وأنا أتعرف علي صفوت شلضوم كنائب جديد في قسم جراحة التجميل..وكان توقعي الأول أن يصطدم بآراء فتحي عبد المجيد العلمانية (التي لا يميز الدينيون بينها وبين الإلحاد) ..وتوقعي الثاني أن يتقدم لخطبة علا الشربيني..
ولكنني عدت واستبعدت الثاني نظرا لفارق السن (4 أعوام)..ومن سخرية القدر أن يخيب التوقع الأول ويصيب الثاني ..وهو ما جعلني أتفاءل جدا بالمستقبل الذي ينتظر هذه البلد..كان صفوت ظريفا وابن نكتة وقادرا علي إضحاك سيراميك العنابر..لدرجة أن فتحي قال له يوما بصدق وهو مستلق علي قفاه من الضحك
- انت ما لكش حل ..قسما بالله انت لو مشيت في موضوع السيما لتمسح كل الكوميديانات الموجودين ع الساحة..
فأجابه صفوت
- لو ما كنتش أقسمت بالله .. كنت صدقتك..

- خلاص ياسيدي .. قسما بالطبيعة

- كده ..هابدأ افكر

خفة دم صفوت تنبع من تلقائيته الشديدة وقلة خبرته بالحياة مع ميله الشديد لأن يكون اجتماعيا وصايعا ( والصياعة هنامعناها الحنكة الشديدة في التعامل مع المواقف)..

- ياجماعة الدقن اللي انا مربيها دي دقن فنانين مش دقن شيوخ ..أعمل أيه يعني
عشان الناس البقر يفهموا..
- أصل انت شكلك مؤدب قوي يا شلضوم
- أنت طيب قوي يا شادي وعلي نياتك..يابني الصياعة أدب والشقاوة صمت..
الجميل والمدهش في صفوت أنه علي يقين كامل بأنه أصيع خلق الله ..وأنه لم يولد بعد من يستطيع إلباسه العمة ..وعندما يحدث هذا يقول بجدية يموت المعلم ولا يتعلم ..أو يدعي بأنه كان يقصد هذا ليرسم الضحك علي وجوهنا العابسة..


25

دائما ما يقابل كل جديد بالرفض والانتقاد ..وبمرور الوقت يحظي بمباركة شعبية منقطعة النظير..وهذا ما حدث مع الهاتف المحمول ..وكان الرفض غالبا بسبب العجز عن شرائه ..فقائل بأنه لافائدة منه سوي لرجال الأعمال ..وقائل بأنه لا هدف من ورائه سوي المنظرة والتنطيط علي خلق الله ..وقائل بأنه سيفسد الشباب..والواقع أن التباهي وإن كان رذيلة علي المستوي الفردي فهو فضيلة علي مستوي الجماعة ..فهو الذي يستفز الجميع علي اقتناء السلعة الجديدة التي سيتلاشي استخدامها السيء مع الوقت ولايبقى سوي استخدامها النافع..هذا حدث مع التلفزيون والثلاجات والمراوح والغسالات والموبايل ..فلا أحد يتباهي الآن بأنه يمتلك تلك السلع ..ولكنه لم يحدث حتي الآن مع السيارة التي لم تصل بعد
- فى وطننا العزيز- إلي مرحلة كونها وسيلة مواصلات مريحة لاأكثر..ومن يوم أن اشتري أحمد حسين سيارته التويوتا تضاعف احترام موظفو الأمن والنظافة تجاهه وتناقص تجاهنا ..وهو صار يتصرف بتواضع مصطنع وكريه(محدث نعمة بقي) ..في الماضي كنا نتقبله بثرثرته وادعاءته الكاذبة أما الآن (فصباح الخير ياجاري انت في حالك وانا في حالي)..وفي أحد خروجاتي مع أسامة الرفاعي جاءت سيرة أحمد حسين فسألته عن رأيه في شخصيته فقال
- أحمد حسين ولد ناجح ومجتهد

فاتسعت عيناي دهشة من رأيه وهو أول العارفين بمستواه الحقيقي في الجراحة
- طبعا انت مندهش أن أقول هذا الكلام ..ولكن تذكرأنني قلت لك من قبل بأن النجاح لا يحتاج ذكاء أو كفاءة بقدر ما يحتاج إلي حماس ونشاط ورغبة مشتعلة في تحقيقه..وهو يمتلك عزيمة شديدة علي إثبات وجوده..ويقوم بعمل شو جيد لنفسه..كما أنه يبذل أقصي ما يستطيع..من يوم استلامه العمل وهو لا يتأخر عن مساعدة من يأتي من أهل قريته إلي القصر..وبالتالي عندما فتح عيادة وثق الجميع فيه ..وكما تعرف أمراض القرية لاتحتاج طبا بقدر ما تحتاج معاملة طيبة وشوية هزار وهو سيد من يفعل ذلك..كل من ينجح يستحق النجاح ..وبدلا من أن تنتقد وتسخر وتقول
الحظ لما يآتى يخلي الاعمي ساعاتي ويدي الحلق للي بلا ودان والدنيا للموعودين
احترم النجاح واعرف أسبابه ..وبدلا من أن تشعر بالمرارة اشعر بالفرح لأن ماحدث له يؤكد أن الله لايضيع أجر من أحسن عملا ..وأن من جد وجد ..أنا عرفت أيضا أنه ارتبط ببنت المهندس رفعت الفخراني ..ولد هايل ..شد حيلك..

(كلماته تنزل كالسوط علي قلبي ..وتندفع كالسم في شراييني..والمصيبة أنني لاأملك غير الاقتناع بها فقط..وأتوقف عند هذا الحد ..وأكتفي بانتظار الفرج الذي لا يأتي ..آخري باين هاعمل زى مجدي خليل ولا طموح ولا كلام فارغ ..ما حدش بياخد من الدنيا حاجة ..والكفن من غير جيوب ..وحدوه)


26

بالأمس اكتشفت أنني متيم بصفاء وهبة عندما اتصلت بها أكثر من عشر مرات ولم ترد علي ..كدت أن أجن ..ولم أستطع أن أفعل شيئا طوال اليوم سوي انتظار اتصالها..سوي إشعال سجارة من أخري..سوي تخيل أنني سأفقد حضنها – جنتي- للأبد..بالأمس اكتشفت حقدي الدفين علي فتحي عبد المجيد ..علي قوامه الفارع ووسامته الساحرة ..علي ثقافته الموسوعية..علي أسرته الثرية ..علي عشق صفاء له..وبدا لي أن الدنيا كانت كريمة معه بقدر ما كانت بخيلة معى حد الشح ..لحظتها احتقرت كل شعارات أسامة الرفاعي عن الإرادة ..عن حرية الأنسان المطلقة في الوصول إلي الحياة التي يتمناها..لحظتها آمنت بتشاؤم ابو العلاء المعري..وعدت للاستماع إلي الأغاني الحزينة التي طالما سخرت من محبيها..تذكرت (جيت الحزينة تفرح ..وقلت لبختى رايح اتفسح ..وناس ليها بخت ..وياشبشب الهنا ياريتني كنت انا)..بالأمس حسدت الشعراء والموسيقيين القادرين علي التعبير عن مشاعرهم..بالأمس قررت أن أكتب قصتي التي انتهت مع صفاء..وعندما قابلتني اليوم عند مكتب الحضور والانصراف وابتسمت آمنت من جديد بروعة الحياة
..ولكنني أدركت هشاشة إيماني ..ما أحقر هذا الإيمان الذي يعتمد علي ضحكة أمرأة.. حتي وإن كانت امرأة في فتنة صفاء وهبة..وكان القرار الذي لا مفر منه..أن أبتعد عن امرأة استعبدت روحي..امرأة أحسست حين ضاجعتها أنها خلقت من ضلعي..امرأة لا أكف عن اشتهائها..قررت أن أخرج من رحمها لكي أواجه الدنيا عاريا مرة أخري..عاريا من حنانها ..من صوتها..من سؤالها عني ..تيقنت أن ابتعادها حتمي ..والألم حتمي ..فاخترت ألما أقل قسوة ..وقلت لنفسي ألم أختاره أرحم بكثير من ألم أجبر عليه..


27
ولكن هذا لم يحدث .. لم أستطع الابتعاد كما عزمت (عيل ورجعت في كلامي)..بعد يومين لم أتحمل الأيام وهي تمضي دون أن تتعطر برناتها ورسائلها القصيرة واتصالاتها الهاتفية الطويلة ..لماذا نصر علي اختزال أفراحنا بحجة أنها ليست دائمة؟..والحياة نفسها ليست دائمة(نروح ننتحر يعني عشان نتبسط)..
قال لي فتحي عندما أخبرته بقراري
- انت ياد حمار..حد يرفس النعمة..واحدة مش مكلفاك أي حاجة ووقت ما تعوزها بتلاقيها تخسرها ليه..وقت ما حريمك يكتروا..ابقي اتنيل سيبها..انت مش شايف الناس بيدفعوا اللي قدامهم ووراهم عشان يتجوزوا بنات ضفرها برقبتهم..اتصل بيها
- ممكن ماتردش
- لحد إمتي هتفضل عبيط..صفاء عدت من زمان مرحلة المراهقة اللي انت لسة عايش فيها..

وكان لديه حق (هوانا ليه غاوي فقر صحيح؟؟)..

- دي بتعشقك؟
يضحك ضحكة خبير..وبدا أنه قد نفد صبره من سذاجتي
- بتقولك كده عشان تجننك بيها أكتر..ويوم ماردتش علي اتصالك وقفلت موبايلها
كان لنفس الهدف..صافي ما بتحبش الرجالة اللي عدوا الاربعين..أنا وأسامة الرفاعي
راحت علينا..
فرحا ومذهولا
- ود.أسامة الرفاعي كمان؟؟


28

لانهاية للمفاجآت التي تختبيء في جعبة أشخاص نظن أننا قد عرفنا عنهم كل شيء
وهذا ما يعطي الحياة نكهتها الحلوة والمرة في آن واحد..كلما بنيت فكرة متكاملة عن شخص ظهرت لي معلومة جديدة لتهدم كل ما بنيته وهي تخرج لي لسانها..لن أتكلم بالطبع عن البلبلة الشديدة التي أعانيها بما يخص تكوين رأي محدد وقاطع بالنسبة للزعماء السياسيين أمثال جمال عبد الناصر والسادات وحتي الرئيس الحالي حسني مبارك ..وما أكثر الجدل الفكري الذي يدور عنهم في سكن الأطباء ما بين محب وكاره ..والجميع لديه أدلته ومراجعه ..ويقول شوكت حمزاوي- نائب العظام- باستفزازه المعهود
- هذا جدال عقيم ولا فائدة منه
فيرد عليه حيدر – نائب الأشعة- وهو شاب مغرم بالكتب الفلسفية
- لا يوجد جدال عقيم يا شوكت ..والحوار دائما أفضل من اللا حوار حتي إن أنتهي بخناقة ..علي الأقل هو الذي يدل علي أننا أحياء ولم نمت بعد ..والذين قالوا السكوت من ذهب رجال عواجيز ومصابون بالزهايمر..كل الحضارات العظيمة قامت علي الجدال وتصارع الأفكار..ألسنا نصف كل كتاب عظيم بأنه مثير للجدل..

ولم يجد شوكت ما يقوله ويحفظ به ماء وجهه المراق سوي الهجوم الوقح
- انت عشان قريت كام كتاب مكتبة أسرة هتعمل فيها سقراط ..ياريت ياحيدر يبقي لك أفكارك الخاصة وبلاش تردد كلام غيرك زي البغبغان ..
بهدوء شديد أجابه حيدر دون أن يتخلي عن دماثته
- ياريت ابقي بغبغان غلباوي بنص لسان عشان اعيش مع وردة في شقة واحدة

للإيحاءات والتلميحات الجنسية قدرة طاغية علي رسم الضحكة علي أكثر الوجوه كآبة ..فجأة انقشعت غيوم التوتر وحل ربيع البهجة في جلستناوتوالت التعليقات
- وردة(تنهيدة ساخنة) .. دي عليها رقبة مالهاش حل
- يابخت بليغ حمدي .. الراجل ده ما عتقش
- سامحوني يأهل مصر
- بعد نسوان السبعينات مافيش نسوان..وردة وشمس وميرفت ونجلاء ..كتنا نيلة في حظنا الهباب
- ياراجل دا مسلسل الحاج متولي فيه كام صاروخ أرض جو ..اوعى وشك و......
- أنا النهارده جالي طلقة في العيادة ..من حسن الحظ كنت لابس جينز.. بتقوللي صدري تاعبني ..فحصته وسألتها التاني تعبان كمان..قالتلي أكتر م الأولاني
- وطبعا عملتلها رسم قلب
- دا روتين يازعيم .. عيب عليك..إحنا ناس بنراعي ربنا في شغلنا..
- ربنا يزيد إيمانك كمان وكمان
- يسمع منك يا صاحبي


29

هل حدث لك من قبل أن التقت عيناك بعيني فتاة – تقابلها للمرة الأولي- فتوقفت عن كل ما تفعله وكل ماتفكر فيه لتتذكرأين قابلتها من قبل..ويخبرك الموظف الذي يعمل في أرشيف ذاكرتك بأن الملف الذي تبحث عنه غير موجود فلا تصدقه وتتهمه بالإهمال والتقصيروتأمره بأن يقدم استقالته..أيهما تصدق؟ذاكرتك الحديدية أم إحساسك الغامض ..وستتساءل متي تبدأ الذاكرة ؟هل عند الميلاد ؟أم أن الذاكرة كالتاريخ سنوات قبل الميلاد أضعاف أضعاف (إلي ما لانهاية)مابعدها..أما أن الذاكرة كجبل الثلج الذي لايبدو منه فوق الماء إلا قمته ..أما أن الذاكرة كالحلم لا نعرف إلا نهايته وعبثا نحاول فهم فيلم من مشهده الأخير..هل حدث لك من قبل أن قابلت ميادة رمزي؟تلك الفتاة التي ينبغي عليك أن تحبها قبل أن تراها كشرط أساسي لظهورها في حياتك..تلك التي لن يكتشف جمالها أحد سواك ..تلك الساحرة التي لا يمارس سحرها مفعوله إلا عليك..ووقتها ستنال هذا اللقب الأبدي (مجنون )..وهو لقب ستشرف به ولن تخجل منه ..ووقتها ستتأكد أنك حفيد مجنون ليلي وكثيرعزة وجميل بثينة وغيرهم من أولياء العشق الصالحين..وجنونك سببه أنك رأيت ما لم ير الآخرون ..وأجمعت علي مالم يجمعوا عليه..نعم هناك امرأة كصفاء وهبة لايكاد يختلف عليها اثنان ..فهي أنثي كما يقول الكتاب..كتاب الشهوة والغريزة ..الشعرالفاحم والجبين الوضاء والحواجب المرسومة بعناية والعيون الواسعة والشفاه المتوحشة والنهد النافر والخصر المختنق والأرداف الممتلئة والفخذ الرخامي والساق الملفوف والكعب المدور والقدم الصغير..
أما معبودتك فتخضع لمقاييس أخري..مقاييس لايستوعبها العقل وتجهلها الحواس وتعجز أمامها كل اللغات.. وستحوم حول أسوار حديقتها لتعرف أتفه تفاصيل حياتها..اسمها بالكامل.. رقم شقتها..لون جدران غرفتها .. أسماء أخوتها الصغار..
مقهي أبيها المفضل..صديقات طفولتها..مواصفات فتي أحلامها..برجها..طقوسهاأثناء المذاكرة..كل شيء ..كل شيء سيصبح له معني لأنها نظرت إليه ولمسته بأصابعها المقدسة ..الكتب التي تذاكر فيها .. البالطو الذي ترتديه ..الكرسي الذي تجلس عليه..الطرق التي تسير فيها..السينما التي تدخلها..ماركة الموبايل التي تقتنيه..كانز الكولا الذي تشربه الآن وهي تجلس مع زميلاتها في غرفة الاستقبال..آه..ليتني كنت فتاة مثلها لكي أنعم فقط بصحبتها(الله عليك يا شادي يارومانسي بالجامد قوي..فين نزار قباني عشان يتعلم..بس يا جماعة ما تفهموش من الجملة الأخيرة حاجة كده ولا كده .. قدموا دايما حسن الظن)


30

منذ خناقتها مع صفاء وهي لا تتحدث معي إلا في حدود العمل وبوجه محايد وصارم.. واحترمت الموقف الذي اتخذته داعيا الله في سري أن تتجاوز أزمتها..وعندما جاء صفوت شلضوم تصورت أن يحدث انسجام بينهما واستبشرت خيرا لها ..ولكن سرعان ما تبين لي أن صفوت لا متدين ولا يحزنون ..وبالتالي تيقنت أن غيوم علا الشربيني مازال أمامها وقت طويل حتي تنقشع ..ولكنهااليوم ألقت على تحية الصباح بما يليق بمودتنا القديمة فضحكت وقالت بنبرتها الباسمة الودودة
- معلش يا شادي ..أنا عارفة إنك أكتر حد فاهمني في القسم ..ومش محتاجة اعتذرلك عن أي حاجة..
- علا انت عارفة إننا اخوات مش زمايل بس
- طبعا يا شادي
أعرف أنها تحبني .. ولكني لم أستطع أن أشعر تجاهها بأكثر من حب الأخ لأخته وهي اضطرت أن تتقبل ذلك بعد أن فقدت الأمل في أي حب آخر..
- أنا عايزة اكلمك في موضوع يخصني ..بس ياريت ما حدش يعرف ..
- خلاص تمام .. بعد ما نخلص لستة العمليات .. تعملنا كوبايتين شاي بإيديكى الحلوين دول ونتكلم
- اسكت ..انت كل هزارك حرام كده ..انت كنت محترم أول ما جيت ..وفتحي بوظك
- قصدك اكتشفني ..
قالت وهي تتركني ضاحكة
- غرورك هيوديك ورا القمر
وشعرت بارتياح ورضا عن ذاتي .. فما أجمل أن يتهمني أحد بالغرور..نفس التهمة التي يوجهونها إلي أسامة الرفاعي (مثلي الأعلي)..


31

عندما أجلس مع امرأة – بشرط ألا تكون قبيحة- أتعمد اختيار مكان يراني فيه الجميع مستمتعا بنظرات الغبطة والحسد في عيون الزملاء ومنتشيا بنظرات التساؤل والفضول في عيون الزميلات..وأفضل مكان في القصر العيني طرقات الاستقبال..
ولكن مع علا فالمطلوب هو مكان بعكس المواصفات السابقة تماما..وليكن حجرة الأطباء بالقسم ..بدأت هي
- شادي ..هازعل منك جدا إن حد عرف حاجة من الكلام اللي هاقوله
- إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه فصدر الذي يستودع السر أضيق
- أنت ما حدش يعرف يتكلم جد معاك مرة
ثم ابتلعت ريقها وأخذ وجهها سمت الجدية وببسكوت الفرح مغموس في شاي الحزن قالت وهي تحاول ضبط انفعالاتها
- صفوت شلضوم اتقدملي
حتي الأشياء التي نتوقعها دوما ما تفاجئنا..ربما لأن القدر يثق في أحاسيسنا أكثر من ثقتنا نحن فيها..
سكت للحظات حتي أستوعب ما قيل ..في لحظة واحدة كنت مطالبا بتذكرمليارات اللحظات التي عشتها مع صفوت .. كنت مطالبا بإصدارالحكم علي إنسان في كلمات معدودة..واضعا في رأسي أن الكلام السيء يصل إلي أصحابه بطريقة غامضة لم يتوصل إليهاالعلم الحديث حتي تلك اللحظة..ومستحضرا شريط حياة علا كما حكته لي وكما رأيت ..ومتخيلا مستقبلهما معا ..باختلاف مزاجهما وتربيتهما وطموحهما ورغباتهما المكبوتة ..ومانعا نفسي من فرض وجهة نظري في الحياة علي حياتها خوفا من ان تعتقد ذات تعاسة أنني سببها..في لحظة واحدة وفي كلمات معدودة كنت مطالبا بإبداء رأي يسعدني لاشك أن يهتم به أحد ويحزنني أن أتحمل تلك المسئولية ..وأنا العاجز عن تحمل مسئولية ذاتي ووجودي..رأي ..عبارة عن بضع كلمات ..قد تقوله بمنتهي التهور والثقة واللا مبالاة فيتغير مجري حياة إنسان..كالحجر تلو الحجر ترميه في النهر فيتحول إلي طوفان ..كالسجارة تشربها تلو السجارة فتتحول إلي سرطان ..
- شادي انت رحت فين
- معاكي طبعا
- أيه رأيك فيه
للمرة الأولي أفكر فيه بجدية..صفوت شلضوم ..المهنة طبيب جامعي..مركز اجتماعي مرموق..بياض بشرته ونظافتها وسكنه في المعادي مؤشر علي مستوي مادي معقول ..ظريف .. لكنه غبي وقليل الخبرة وليس له خرابيش .. يعيش في عالم من المثاليات أبعد ما يكون عن عالمنا..أما علا فعفتها فرضتها الظروف عليها وبداخلها رغبة مجنونة للانفلات ..ربما تعويضا لمراهقتها المحرومة والمكبوتة ..المراهق الموجود بداخل كل إنسان لابد أن يعبر عن نفسه ذات يوم..وتصور شلضوم عن المرأة هو تصوره عن أمه وأخواته البنات ..هو تصوره عن مريم العذراء..يعتقد أن المرأة تحب الرجل المؤدب الخجول الهادئ..هذا ما تعلمه منذ صغره ..ذاكر..صلي..كما تدين تدان ..لاتضيع وقتك في الكلام الفاضي ..إياك أن تفعل مثل الأولاد قليلي التربية والحياء وتغازل بنتا..عيب..حرام..هتروح النار..كهذا نشأت أنا أيضا وكثيرون ممن ينتمون إلي نفس طبقتي وتعليمي..ولكنني قابلت فتحي عبد المجيد وأسامة الرفاعي وصفاء وهبة وتحررت أو بمعني أكثر دقة انتبهت إلي عقد نقصي ..كنت أفهم طوال دراستي أن هناك شيئا خاطئا في تربيتي..ليس بمعيارالصحيح والخاطىء..ولكن بمعيار الواقعي وغير الواقعي ..العصري وغير العصري..ما يصنع إنسانا سويا وما يصنع إنسانا مريضا.. كل هذه الأفكار دارت في رأسي في أقل من فمتو ثانية..

- اسمعيني يا علا ..دا قرارك انتي لوحدك ..مش قرارأي حد تاني..كل اللي اقدر اقولهولك إنه محترم وابن ناس ودمه خفيف وجدع
(كدت أن أقول لها بخيل جلدة ومسكت لساني بأعجوبة) ..انتي أهم شيئ ما تتسرعيش وادي نفسك وقت كفاية قبل ما تاخدي أي خطوة..
- أنا خلاص رفضت الموضوع ..هوانا اصوم اصوم وافطر علي بصلة..بس بيقوللي إنه مش قابل رفضي..
ولحظتها تحولت اللحظة التراجيدية إلي كوميدية ..ومن يستطيع أن يفعل ذلك سوي صفوت شلضوم (الصايع آخر حاجة)..



32

عندما أخبرت مدحت جودة عن رغبتي في كتابة رواية ونحن نجلس علي مقهي التكعيبة (نحتسي الشاي وندخن ونسترق النظر إلي المزز المثقفات الجالسات بجوارنا) رفع حاجبيه مندهشا وقال باستظراف كرهته
- مساء الفل يادكترة..ياباشا ركز في طبك ..كتابة الرواية أكبر من الفكرة الرومانسية اللي انت واخدها عنها..أنا باكتب في رواية بقالي أربع سنين مش عارف أخلصها..الكتابة كل يوم فيها اكتشافات جديدة زي الطب تمام..

كنت في هذه الفترة منتهيا لتوي من قراءة (عمارة يعقوبيان) لعلاء الأسواني ومعجبا بها أشد ما يكون الإعجاب(لماذا لم يعد أحد يستعمل المفعول المطلق في الكتابة؟بقي كخة ولا أيه) ..بشخصياتها الحية ولغتها السلسة الواضحة وتأملا تها الرشيقة والعميقة دون تقعرأو غموض..وتولدت بداخلي الرغبة أن أكتب عن التجارب التي مررت بها بنفس الطريقة ..ابتلعت نفوري من رده العقيم وسألته
- أيه رأيك في عمارة يعقوبيان؟
بطرف أنفه
- زفت!!
- والنجاح الجماهيري الرهيب اللي حققته
- مش مقياس ..أرزاق ..آدي دقني لو كتب حاجة بعد كده تتقري ..
- ومين في رأيك الروائي اللي يتقرا في مصر دالوقت؟
أخذ في سرد أسماء لا أعرف عنها شيئا(لاداعي لذكرهم لأسباب لاداعي لذكرها أيضا)..قلت لنفسي ربما كان علي صواب وقررت أن أشتري عينة من الروايات التي ذكرها لي من الهيئة العامة للكتاب في ميدان الجيزة ..كانت تلك المكتبة الوحيدة التي أعرفها في ذلك الوقت إذ كنت أعتمد اعتمادا كليا علي استعارة الكتب من فتحي عبد المجيد (صاحب الفضل الأكبر في تثقيفي وقدرته الرهيبه علي اختيار الكتب التي تخلق قارئها من جديد)..كان فتحي أيضا مؤمنا بنظرية الحظ والأرزاق فيما يتعلق بالناجحين في كل المجالات ولكن ليس إلي درجة التحقير التي وصل لها مدحت جودة علي عكس أسامة الرفاعي الذي كان يري وراء كل ناجح(وخصوصا علي المدي الطويل) سرا عظيما يستحق الدراسة..تريدون معرفة رأيي في الروايات المواكبة لأحدث التغيرات العالمية في تقنيات السرد؟..إجابتي قالها محجوب عبد الدايم في (القاهرة الجديدة)..طظ م الآخر..أموت واقابل واحد قرا رواية بعد ما شافها فيلم( أكيد هيبقي شخص خنيق ومليان كلاكيع)..





33

من أمتع اللحظات في حياتي وقت المرور علي المرضي في تمام العاشرة صباح كل يوم سبت ..إذ أنه الوقت الذي يجتمع فيه أسامة الرفاعي وفتحي عبد المجيد وصديقي الجميل حيدروفاتنتي صفاء وهبة ..ولا يستغرق النقاش في الطب سوي بضع دقائق .. بعدها ينفجر فتيل النقاشات عن أزمة أوديب
(طنش تعش تنتعش)
(الواد اللي متعلق بإمه زيادة عن اللزوم..اتفرج علي فيلم السراب)
وهاملت
(مافيش صراع..مافيش حياة)
(أكون أو لا أكون)
(القذافي بيقول شكسبير أصله عربي واسمه الحقيقي الشيخ زبير)
وشهريار
(ورحلته من الحيوانية إلي الحب إلي الفلسفة..لازم يرجع للحيوانية تاني عشان ما ينتحرش..راجع مسرحية توفيق الحكيم)
(هارون الرشيد شهريارولا كان بيحج عام وبيغزو عام)
عن الحرام والعيب في رأي يوسف إدريس..
(اكتشاف قوانين الوجود)
(حلقة شاهد علي العصر اللي سجلها مع عمر بطيشة تحفة..حاولوا تسمعوها..علي فكرة نزلت في كتاب)
عن أحلام فترة نقاهة نجيب محفوظ..
(يكاد يكون جثة هامدة ومع ذلك مصر علي التفكيروالإبداع ..عظمة ياعم نجيب ..سوبرمان بجد)
عن العصر الذهبي للقاهرة في عصر المماليك العظام(1260- 1517) قبل الاحتلال العثماني..(تخيل كل المباني المملوكية القديمة وهي لسة جديدة..القاهرة كانت حاضرة الدنيا)
عن القصص القرآنية بين العبرة الفنية والحقيقة التاريخية
(الله يرحم أمين الخولي ..ونعم رجل الدين المستنير) ..
عن الإسلام وأصول الحكم ..
عن شخصية مصر(جمال حمدان وعبد الحميد يونس)..
عن طبائع الاستبداد في رأي عبد الرحمن الكواكبي..
عن محمد علي والخديوي إسماعيل وجمال عبدالناصروالسادات..
عن ماذا حدث للمصريين في رأي جلال أمين..
عن الفتنة الكبري في رأي طه حسين..
عن العلاقة بين الشرق والغرب في موسم الهجرة إلي الشمال وقنديل أم هاشم..
عن الذين علموا سلامة موسي وعلموا الدنيا كلها..
عن نظرية النسبية
( عايزين تفهموها..اقروا كتاب مصطفي محمود)
(اللون ابيض مش ابيض والخط المستقيم مش مستقيم..حد فاهم حاجة)..
عن دع القلق وابدأ الحياة
(ديل كارنيجي بعد ما كتب الكتاب العظيم ده انتحر..انتحار المسلم كفر ..وانتحارالكافر.........أكمل) ..
عن فتوة صلاح أبوسيف(خد بالك من قفاك) وأرض يوسف شاهين(ما نمضيش علي حاجة مش عارفينها يابلد) ..
عن رباعيات الخيام
(ياربي هل يرضيك هذا الظما والماء يجري من حولي زلال)
وصلاح جاهين
(أوصيك ياربي لما اموت ماتدخلنيش الجنة..للجنة سور) ..
عن بيتهوفن وموزار وفاجنر
(نيتشة كان بيكرهه عشان خطف المزة بتاعته)..
عن الرقص الشرقي وسامية جمال
(من قاع الفقرإلي قمة المجد )
وتحية كاريوكا
(عبقرية التصالح مع الزمن والحياة)
والهرم الرابع فيفي عبده
وفيلم دينا الفاضح..
عن عبقرية الأمثال الشعبية ..(راجع كتاب العلامة أحمد تيمور باشا)
عن التوم والبامية في بلكونات الطبقة المتوسطة
(يارب تنقرض)..
عن العنب العنب العنب..
عن أشهر النصائح التي يوجهها الآباء لأبنائهم..
عن آخر قفشات احمد فؤاد نجم
(أجمل نباتين علي وجه الأرض الشاي والحشيش) ..
عن رجوع الشيخ إلي صباه..
عن كليلة ودمنة
(وكيف حدث هذا؟)..
عن سهر الليالي والتجربة الدنماركية..
عن ثقافة التقليد وثقافة الإبداع..
عن لغز11سبتمبر..(راجع رواية جورج اورويل 1984)
عن مستقبل الشرق الأوسط ..
عن أسباب نهضة الأمم..
عن مقدمة ابن خلدون..(البرد الشديد سبب تخلف أوربا واحنا النهاردة بنقول الحر سبب تخلفنا!!)
عن قارئة الفنجان
(وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان)..
عن الحسد والجن والعفاريت..
عن الكبت الجنسي والزواج المسيار..
(االتفريش في رأي جمال البنا لمم ومن الصغائر )
عن إرضاع الكبير ..
عن الثورة التكنولوجية والبيولوجية وبداية أفول الحضارة الصناعية بكل أفكارها وقيمها والعلاقة التي تفرضها بين الحاكم والمحكوم
والابن والأب والزوج والزوجة والعبد والإله..
( يانهار مش فايت ..الناس دول عرفوا الكلام ده أمتي وازاي..دول يإما شياطين يإما مجانين ..أنا كنت فين .. أكيد كنت عايش في كوكب تاني..دنا كل اللي في دماغي أركان الإسلام الخمسة ..وقصة الصقر الجريء ..وذاكر ياشادي عشان تبقي دكتور قد الدنيا ..ويوم ماحبيت اقرا رجل المستحيل بابا هاج وماج وقاللي هات كتب السنة الجاية وذاكر فيها أحسن من قراية الكلام الفاضي ده..وطبعا ما كانش ينفع أقول غير حاضر ونعم يابابا ..مش ربنا بيقول ولا تقل لهما أف ..وتاني شيئ هو راجل كبير وعنده خبرة وعارف أكيد اللي ينفع واللي ما ينفعش ..أحنا ليه فقرا يابابا؟؟ تجاوبني ماما عشان ربنا عايز كده ..خلق الناس درجات ..والدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر..كل ما تتعذب في الدنيا أكتر كل ما يكون ربنا راضي عنك ..طيب انت ليه ياماما بتتخانقي مع بابا عشان المصروف
بتاع البيت وعايزاه يشتغل بعد الضهر .. طيب ليه ياماما خالتي فاطمة وجوزها كانوا فقرا وبقوا أغنيا ..عشان جوزها سافر الكويت ..طيب ليه بابا مش بيسافر الكويت هو كمان..عشان الموظفين اللي زيه مش بيسافروا..طيب ما يسيب الوظيفة ويشتغل زي أونكل ماجد عشان يبقي غني زيه..خش اتخمد نام عشان وراك مدرسة الصبح..ماما أنا باكره المدرسة ..مش عايز اروحها خالص ..الأساتذة بيحبوا حمادة ابن الناظر أكتر مني مع إني أشطر منه وبيخلوه رئيس الفصل ..وما بيضربهوش لما ما بيعملش الواجب ..والبنات في الفصل بيفضلوا يلعبوا معاه في الفسحة وما حدش بيلعب معايا..وبيفضلوا يتريقوا ع البلوفر المقطوع بتاعي ..ماما أنا عايز بلوفر جديد..لما ربنا يفرجها..بقالك تلت سنين بتقوليلي كده وربنا مش بيفرجها ..انت هتكفر..استغفر ربنا عشان ما يزعلش منك ويدخلك النار..والله مانا مستغفر لحد ما يفرجها عشان تجيبولي بلوفروما حدش يتريق عليا وكمان مش هاروح المدرسة..والنتيجة علقة محترمة خليتني استغفر غصبن عن عين اللي خلفوني...)


34
نعمة ممرضة في التاسعة عشر من عمرها ..استلمت العمل منذ حوالي شهرين في قسم التجميل..وبدون أدني مبالغة هي أجمل ممرضة في مصر(سحلية تحل من علي حبل المشنقة)..منذ فترة أحاول تثبيتها بطريقة اللعب في الدماغ والتحريض علي الاستمتاع بالحياة وعدم الاستسلام للجحيم الذي تعيش فيه (علي طريقة محمد فوزي مع مديحة يسري في معظم أفلامه..مالوش حل)..وكان واضحا أنها مبهورة بالكلام الذي أقوله (هل يستطيع أحد ألا ينبهر بوسوسة الشياطين؟)..وظللت أتخيل مدي النشوة التي سأشعر بها عندما أتمكن منها..لحظتها لن يكون أحد في العالم أسعد مني ..حتي حدث مالم يكن في الحسبان..فوجئت بوالدتها – وأنا أجلس في حجرة الأطباء بالقسم- داخلة علي وعفاريت الغضب تقفز في وجهها(لم أمتلك وقتها ترف التعجب من أن تنجب هذه الحيزبون غزالا كنعمة)
- أنت دكتور شادي عبد السلام
- أيوه..مين حضرتك
- أنا ام نعمة يازبالة يامعدوم التربية والأخلاق..أيه اللي انت عايزه م البت يابن الكلب يارمة..لو انت ابن حلال ما تعملش كده بس انت ابن حرام ..الله يلعن اللي خلاك دكتور..
وفجأة خلعت شبشبها وانهالت به علي أم رأسي..ولم ينقذني منها سوي العمال وبعض المرضي المحجوزين بالقسم الذين تسمح لهم حالتهم بالنهوض من السرير..لا أعتقد أن هذا الموقف يحتمل أي تعليق ..كل ما يمكن أن يقال أن الزلزال- بكل جبروته - أرحم بكثير من توابعه..


35
مالذي فعلته بنفسي؟..الله يلعن اليوم الذي عرفتكم فيه يامن تسببتم في سيري في هذا الطريق..ام نعيمة لديها حق في كل ما قالته..أنا لا أستحق أن أكون طبيبا..سامحني يارب ..لقد ابتعدت عنك وعن طريقك القويم ..ساعدني أن أخرج من تلك المأساة وأعاهدك ألا أعود لمثلها أبدا..حقا من يعرض عن ذكرك فإن له معيشة ضنكا ..حقا من يعرض عنك جعلت فقره بين عينيه..في لحظة واحدة انهار ما بنيته طيلة عشرين عاما من السهر والكد والتعب ..انهار مستقبلي في الجامعة تماما..بأي وجه بعد اليوم أقابل الناس ..الجميع يحتقرني..يبصق علي..لن يثق أحد في بعد اليوم..هؤلاء الشياطين هم السبب في دماري..ولكن لماذا لم يفضحهم الله؟؟لأنه يحبني..وأرادني أن أتوب قبل أن يموت قلبي..أما هم فإنه يستدرجهم من حيث لايعلمون..في حجرتي ليل نهار أقرأ القرآن وأبكي وأصلي وأبكي داعيا الله أن يزيح عني تلك الغمة وهذا البلاء..الله يغفر الذنوب جميعا..ولاييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون..كل من في البيت كان يتمزق حزنا علي وهم يرونني مكتئبا كما لم يحدث من قبل رافضا الرد عليهم ببنت شفة..تحاول أختي رشا تلطيف الجو وتقول بطريقتها الباسمة
- الدكتور شكله عايز يتجوز ياماما
فلا تنتبه لما تقوله ..وينظر لها بابا نظرة تحذيرية لكيلا تتمادي في هزار لايتناسب مع حالتي النفسية
- قوللي ياضنايا فيه أيه؟مالك ..ما تسكتش كده..اتكلم يا قلب امك..لو ما فتحتش قلبك لينا هتفتح قلبك لمين..
كان خرسي أقوي مني..كأنه لم يعد في فمي لسان..كل حواسي كانت مفصولة من الخدمة.. كنت متخشبا كمريض الكتاتونيا(مهنج بلغة الكمبيوتر)..عاجزا عن فعل أي شيء..وبدا لي ولهم أن هذا سيكون أبديا..فجأة صرخت أمي وهي تلطم علي خديهاوالدمع يسح من عينيهامدرارا
- اعمل حاجة ياعبد السلام ..شادي بيضيع مننا وانت قاعد كده..قوم هات دكتور نفساني يشوفه
بابا بطبيعته كائن قليل الحيلة ..في المواقف الصعبة يقع في حيص بيص..ولكنه انطلق وعند الباب تراجع مرة أخري منكسرا مطاطيء الرأس وأشار لأمي..فهمت..لم يكن في البيت فلوس ..المرتب الهزيل الذي يتقاضاه يكاد يكفي احتياجتنا الأساسية مع مراعاة التقشف..ومرتبي لاداعي للحديث عنه لكي تستمروا في الضغط علي أولادكم لدخول الطب (يابشر فوقوا وشوفوا الدنيا ماشية ازاي..تدمرون أولادكم بأفكاركم الرجعية..وعندما يفشلون تلقون باللوم عليهم..مافيش حاجه اسمها كلية قمة وكلية قاع..بس فيه أفكار تطلع لقدام وأفكار ترجع لورا..بتقرا مزاميرك علي مين ياداوود؟..الجيل بتاع عبد الناصر والسادات عايز إبادة..الشعوب العربية محتاجة هتلر..ابعت ياللي بتبعت)

اليوم الوحيد الذي احببت فيه الفقركان هذا اليوم..فبسببه لم يتمكنوا من إحضار طبيب نفسي لمعالجتي..ولحظتها سيظل العار يطاردني إلي يوم القيامة..زملائي الذين يتجهون إلي هذا التخصص يكون دافعهم علاج أنفسهم أولا وأخيرا..وقلة قليلة من يكتب الله لها الشفاء..لا تحاولوا إقناعي بوجود طبيب نفسي عاقل لأن أهل مكة أدري بشعابها..(ماهو تعريف الشخص السوي أساسا؟؟)

36


كنت مستغرقا في نوم كابوسي عندما دقت أمي علي باب غرفتي..حركت أكرة الباب ودخلت..انحنت وهمست في أذني
- إصحي ياحبيبي ..دكاترة زمايلك موجودين في الصالة وعايزين يشوفوك
كأنما دبت الحياة في روحي فجأة..وقفت أمام المرآة ومشطت شعري وخرجت..فوجئت بوجود أسامة الرفاعي بشحمه ولحمه جالسا وبجواره مجدي خليل وفتحي وصفاءوعلا وحيدر..بحثت عن كل مشاعري العدوانية تجاههم بسبب أفكارهم الشيطانية فلم أجد سوي محبة عميقة ..ووجدتني أرتمي في أحضانهم واحدا تلو الآخر..ولم تستطع علا سوي معانقتي بعينيها احتراما للحجاب الذي ترتديه..حسدت نفسي علي تلك المحبة الغامرة..وشعرت بالامتنان للموقف الذي طالما تمنيت محوه من حياتي..فهأنذا أكتشف بسببه عمق الصداقة التي تربطني بأناس لم أعرفهم إلا منذ فترة وجيزة..أصروا علي أن أرتدي ملابسي لكي أخرج معهم فتعللت بالتعب والأرهاق إلي أن قال أسامة الرفاعي بصوته الواثق الخفيض
- قوم البس ياشادي..عشان نعرف نتكلم معاك
هل يستطيع أحد علي وجه الأرض أن يقاوم هذا الرجل ..أن يعترض علي كلمة يقولها..الكواكب لاتملك سوي الدوران حول الشمس..والأعشاب لاتملك سوي الانحناء للريح..ولكنني بعد هذا الموقف لم أعد عشبا ..أصبحت شجرة ناضجة قادرة علي رؤية مالاتراه آلاف الأعشاب ..الضربة التي لاتكسر الظهر تقويه ..والنارتجعل الشمعة تضيء وعود البخور يفوح والطعام ينضج ويستوي ويصبح ألذ طعما..كل الأشياء التي توجعنا هي التي تمنحنا الخبرة وتفتح لنا أبواب السعادة واللذة علي اتساعها..عندما نهان أمام الآخرين نحن بالتأكيد نخسر مساحة كبيرة من كرامتنا وكبرياءنا ولكننا نكسب مساحة أكبر من الحرية ومن المعرفة ومن الجرأة ومن القدرة علي التعامل بحنكة مع المواقف الشبيهة..هذا ما يتعلمه الأشخاص الأقوياء..أما الضعفاء فإنهم ينهارون وينطوون ويمرضون نفسيا..هل تعرفون الفرق بين الإنسان المتحضر والأنسان المتخلف ؟؟..الإنسان المتخلف مازال أسير الخوف ..الخوف الذي استقر في عقل جدوده وهم يعيشون في الكهوف وفي الظلام وفي الغابات الممتلئة بالحيوانات الضارية..الخوف هو أصل كل رزيلة ..الخوف هو الذي يمنع الفقير من أن يكون غنيا..والجاهل من أن يكون مثقفا ..والوتد من أن يكون مركبا يجوب البحار والمحيطات..الخوف هو الذي يجعلك تعتقد أن حياتك أغلي من حريتك..المعادلة صعبة ولكنها حتمية..الحرية سوف تمنحك الكثيرولكنها ستجعل حياتك مهددة بالفقد في أي لحظة..نعم ستصبح حياتك علي كف عفريت..
- (غالبا ما تكون نهاية العظماء دراميةو مأساوية..هل سمعت عن شخص تافه تعرض للنفي أوالاعتقال أو الاغتيال) ..الحياة عادلة أكثر مما نتخيل ..وكل إنسان ينال فيها ما يستحقه دون زيادة أو نقصان..المظلوم يستحق أن يكون مظلوما ..والفقير يستحق أن يكون فقيرا..والموظف محدود الدخل يستحق أن يكون كذلك ..المشكلة ليست في سياسات الحكومة..المشكلة في الإنسان الذي يستكين إلي ماهو فيه ويرضي بالظلم الواقع عليه دون أن يصرخ خوفا علي حياته وحياة أسرته ..وبذلك يمنح نفسه ترف الحياة..ولكنها حياة وضيعة كحياة حشرة..الحياة الكريمة لها ثمنها..ماهو الثمن الذي دفعه موظف جبان محدود الدخل والثقافة والشجاعة ومعدوم الكرامة والمقاومة..لايجهد ذهنه سوي في لعب الطاولة والتهكم علي مديره من خلف ظهره ..وما إن يراه حتي يهب مذعورا خوفا وهلعا من جزاء قد يخصم من مرتبه ثمن كيلو لحمة أو من نقل إلي منطقة بعيدة عن محل سكنه..قسما بالله لم أقابل في حياتي إنسانا يستحق أكثر مما هوفيه ..قد أنبهر بإمكاناته في جلسة أو اثنتين ولكن مع الوقت أعرف لماذا هو هكذا..وأن السبب فيه لا في حال البلد المايل ..هل تعرفون سبب حال بلدنا المايل؟؟إنهم هؤلاء الأشخاص المتذمرون الذي لايفعلون شيئا أكثر من الانتقاد وضرب الكف بالكف..إنهم هؤلاء الأشخاص الذين يعتقدون أن حقهم مهضوم ..أنهم هؤلاء الأشخاص الذين يقولون بأن البلد يحكمها شلة حرامية ولاينتبهون إلي أنهم شلة مغفلين..أعرف أن هذا الرأي سيعارضه الكثيرون ..لأنهم بذلك سيتحملون مسئولية ماهم فيه من فقر وفشل وإحباط وعجزوقلة حيلة ..لأنهم يعتقدون في داخل أنفسهم أنهم عباقرة وفنانون لم يكتشفهم أحد لأنهم ليس لهم واسطة غير ربنا..والحقيقة أن الشخص الذي يمتلك شيئا يستحق الوصول للناس سيصل..كيف يؤمن الناس بك وأنت لاتؤمن بنفسك ..وكيف يراهن عليك أحد وأنت تخشي المراهنة علي نفسك..هذه كانت بعض معتقدات أسامة الرفاعي التي أحاول الإيمان بها ولكن ضعفي يغلبني وأرمي بفشلي علي عائلتي وحكومة رجال الأعمال التي سرقت البلد..وأفرح جدا حين يوافق الزملاء علي كلامي ..ولكنني أقرر أن أبتعد عن نقد سياسة البلد حين لفت نظري أحد الأصدقاء بأن عصافير أمن الدولة يختبئون في شاش وقطن وأجهزة ضغط القصر العيني..لدرجة أنني اعتقدت أن هذا الصديق أول العصافير..وقررت أن أبدو أمامه كحصاة لا حبة قمح ..فأن تدوسك الدولة خير من أن تأكلك
(لكل رأي رد رأي مساو له في القوة ومضاد له في الاتجاه)


37

ما إن خرجت من باب شقتنا القديمة المتهالكة وركبت سيارة أسامة الرفاعي (المرسيدس عيون) حتي شعرت بأنني انتقلت من العالم الثالث إلي العالم الأول..وانقبض قلبي ألما وأنا أتصورهم يشفقون علي من الفقر الذي أعيش فيه..ولكنني قلت لنفسي أن أسامة الرفاعي نفسه بدأ أفقر مني ..ومجدي وعلا وحيدر
يعيشون في نفس المستوي الذي اعيش فيه..وقلت بأن أهلي جزاهم الله خيرا أن علموني وأوصلوني إلي ما أنا فيه والباقي يعتمد علي شطارتي وطموحي ..وأنني أمتلك الوقت والذكاء والشباب وهي كنوز لمن يستطع الاستفادة منها واستغلالها.. ولم يخرجني من تأملاتي الحزينة سوي تعليقاتهم المرحة والساخرة من الموقف المأساوي الذي مررت به..وأدهشني أن يمتلك حدث كل تلك الأبعاد التي لم أنتبه إليها ..حدثتكم عن بعضها في الفقرة السابقة..البعد المأساوي حين رأيته انتهاكا لكرامتي أمام المرضي والعمال والزملاء..والبعد التعليمي حيث تعلمت منه أضعاف أضعاف ما تعلمت من الكتب التي درستها ..والبعد الفكاهي حين تنتزع ذاتك من الموقف وتراه بعين الآخرين ..امرأة من عزبة خير الله تضرب طبيبا بالشبشب لأنه حاول مغازلة ابنتها(أمال لو نام معاها وفتحها كانت عملت أيه)..ياأمهات الممرضات احترسوا علي بناتكم من الأطباء الذئاب..تخيل هذا المانشيت في جريدة كالأسبوع..والبعد الإبداعي حين تتقمص الآخرين وتشمت في نفسك..والبعد الاجتماعي حين يصبح ما حدث لك كافيا لأكثر من ألف جلسة نميمة مسلية بين التمريض ..والبعدالفني حين تفكر في بناء رواية انطلاقا من هذا الموقف..والبعد الأخلاقي حين تقرر التوبة والعودة إلي الاستقامة أو تتمادي في الفجور(لم يعد لديك ما تخسره)..والبعد الاقتصادي حين تتغيب عن عملك وتتعرض لخصم مبلغ كبير من مرتبك وبالتالي لا تستطيع شراء القميص الذي كنت قد انتويت شراءه..البعد النفسى حين تكون مهيأ للجنون ويكون هذا الموقف هو الشومة التي كسرت ظهر البعير..والبعد التاريخي حين تتذكره بعد عمر طويل كحدث غير مجري حياتك وحين تعتبره نعيمة وسام شرف علي صدر أنوثتها وعفتها..والبعد الجغرافي للمكان الذي ضربت فيه وتخشي رؤيته لكيلا تصحو المواجع..والبعد الشبشبي حين يبحث المستشرقون في سر استخدام المصريون للشبشب للتنفيس عن غضبهم ..أبعاد لانهاية لها يفجرها هذا الموقف المعقد الذي يبدو بسيطا لا عمق فيه ..هذا الموقف الذي قد تفهم مصر في عصر حسني مبارك من خلاله..كيف؟؟اسمع ياسيدي ..وأرجوكم أن تتحملوا هذا الهراء الذي طالما قرأت مثله في نقد روايات وأفلام و قصائد لا تحتمل تلك القراءة المتعسفة والخنيقة

الطبيب: رمز الطبقة المتوسطة بحرصها علي التعليم كوسيلة للصعود الاجتماعي..والتربية الدينية الزائفة التي تخفي انحلالا أخلاقيا لا نظير له..وهو معذور في ذلك لأنه لا يستطيع الزواج الشرعي لا ستحالة الحصول علي شقة بطريقة غير الميراث أو السفر لبلاد الخليج أو التجارة في المخدرات أو العملة الصعبة أو أجساد النساء ..
( أسهل حاجة تسافر..الحاجات التانية دي عايز إمكانات خاصة)

أم نعيمة : المهمشون الشرفاء بملابسهم المهترئة ووجوهم الشاحبة والطافحة بالمعاناة وحرصهم علي إدخال بناتهم مدارس التمريض ليحصلوا علي وظيفة تمكنهم من الحصول علي أدني متطلبات الحياة..

نعيمة :رمز مصر الجميلة التي يحاول الجميع الاعتداء علي شرفها..

( أليس من الأفضل أن أكتفي بهذا القدر من الهراء العقيم ..وأستأنف الحديث عن أبطال روايتى الذين يحاولون تجميل حياتهم ..كل علي قدر استطاعته )

38

علي خلاف ما توقعت من تداعيات الموقف الأخير..اعتقد الجميع أنني فعلت شيئا مع نعمة يستحق كل هذا الغضب من طرف والدتها..وكانت نظراتهم لي مليئة بالحسد والإعجاب لأنني استطعت تثبيت هذا الفرسة الشرسة التي عجز الجميع عن ترويضها أو أخذ حق أو باطل منها..وأصبحت (دون جوانا) بالأونطة..يجب أن ننتبه أننا نعيش في بلد الصيت ولا الغني ..والعجيب أن الصيت يجلب الغني ..والشائعات تتحول إلي حقائق ..لا لشيء سوي اعتقاد الناس فيها..التاريخ الذي ندرسه ليس إلا شائعات قالها الناس وصدقوها ثم ماتوا وجاء من بعدهم جيل اعتبرها حقائق غير قابلة للنقاش ..حقائق تصل إلي درجة القداسة..والقداسة تأتي من الغموض(حاول تبقي غامض وهيتقال عليك أساطير) ..والبشر لا يحتملون الغموض فيقومون بعملية تأكيد تعويضية..
وياويل وياسواد ليل من يقوم بالتشكيك..المهم أن الجميع – رجالا ونساء- بدأ يعاملني علي هذا الأساس ..فصدقت نفسي وأخذني الغرور وانطلقت..وخلعت برقع الحياء وأصبح فجوري علي عينك ياتاجر..أقرص ممرضة في صدرها علي مرأي من المرضي والزميلات(هذه هي الميزة الوحيدة في مهنة الطب)..أو أصفعها علي مؤخرتها علي طريقة عادل إمام مع بطلات أفلامه..كل شيء أصبح متاحا وسهلا جدا ..وأقبح الألفاظ صارت تخرج من فمي وكأنها أكثر الألفاظ تهذيبا..وأصبحت فاكهة قسم التجميل..وحضوري أصبح مرادفا لساعات لا تنتهي من الضحك والقهقهات..لابد أن في هذا الشبشب سرا باتعا..سرا جديرا بإضافة قصة جديدة رائعة للعمل الخالد (ألف ليلة وليلة)..ربما أستطيع في يوم من الأيام اكتشافه وأصبح واحدا من كتاب الواقعية السحرية..وساعتهاراسي تبقي براس ماركيز وباولو كويلهو وساراماجو(من بقي لباب السما..بس يارب يبقي مفتوح بعد كل الذنوب اللي باعملها وباجاهر بيها كمان)




39
أوراق من دفتر يوميات أسامة الرفاعي


منذ نعومة أظافري وأنا أميل إلي أخذ الحياة بجدية وأنفر من إضاعة وقتي في مناقشات تافهة ..لذا – وأنا في المرحلة الإ عدادية- أحببت جماعة الإخوان المسلمين وصاحبتهم في غدوهم ورواحهم..وأعجبتني طريقتهم المنظمة في الحياة مابين العبادة والقراءة وممارسة الرياضة والرحلات الترفيهية وحرصهم علي توفير أعانات للطلبة الفقراء من كتب ومجموعات تقوية..وظللت علي هذا الحال إلي أن التحقت بطب القصر العيني عام 76 من القرن الماضي ..وفي انتفاضة يناير 77احتجاجا علي رفع الأسعار خرجت في المظاهرات رغم تحذيرات أبي..ومن سوء الحظ – أولحسنه – تم اعتقالي لمدة شهرين كاملين ..وفي السجن لم أتلقي إلا كل معاملة طيبة بسبب مأمور السجن الذي اعتقلت فيه ..كان يدعي فرج الدهشوري النمر..كان إنسانا بشوش الوجه طيب القلب واسع الأفق ..كنا نمر – أنا وزملائي – بتجربة الاعتقال للمرة الأولي ويملأ أذهاننا قصص التعذيب البشعة التي كتب عنها نجيب كيلاني في رواياته( نجيب كيلاني هو نجيب محفوظ شباب الإخوان)..ولكننا بكل عنفوان الشباب أقنعنا أنفسنا بأن القابض علي دينه كالقابض علي الجمر وأن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم..وفوجئنا في أمسية الأعتقال الأولي بدخول ظابط طويل عريض يحمل رتبة عقيد يدخل باب الزنزانة متقدما رائدين وصول وبعض العساكروألقي علينا بصوت رنان يحمل قدرا كبيرا من الود تحية الإسلام وقال
- أنا عارف إنكم خيرة شباب البلد ..اللي طالب في طب واللي في هندسة واللي في علوم ..وفي انتظاركم إن شاء الله مستقبل واعد..بس عايز اقولكوا كلمة من أخ كبيرمش من ظابط..الدنيا مش بالبراءة اللي انتو فاكرينها..ناس كتيربتستغل أنبل الشعارات عشان توصل لأهداف في منتهي الدناءة..إنتو لسة صغيرين ..واختيارتكو قايمة ع العاطفة مش ع العقل ..احتجازكو مش هيدوم فترة طويلة ..ده إجراء لازم الدولة تقوم بيه عشان الناس اللي بتصطاد في المية العكرة..نصيحتي ليكو حافظو علي استقلالكو ..وما تسمحوش تبقوا عرايس متحركة في إيد أي حد ربنا لوحده عارف نواياه ..اسألوا واعترضوا وناقشوا وافهموا..ماتقولوش حاضر ونعم وانتوا مغمضين.. اقروا في كل المجالات ..ساعتها كل واحد فيكو هيوصل لقناعاته الخاصة بيه ..وساعتها تقدروا تحاربوا الدنيا كلها عشانها..مش هاطول أكتر من كده ..واللي يعوز أي حاجة أنا تحت أمركو ..


كان الرجل يتكلم بصدق هزنا جميعا..وأكدت الفترة التي قضيناها في السجن صدقه في حرصه الشديد علي احترام كرامتنا وإنسانيتنا..حتي أننا عانقناه يوم خروجنا ونحن نبكي لأننا سنفتقده..كان شاعرا ولما علم بحبي للشعر أهداني ديوانه المطبوع
(أمواج تبتسم لصخور عابسة)..مازلت محتفظا به إلي اليوم ..وكتب لي إهداء رقيقا كشعره علي أولي صفحاته
(إلي الأستاذ الدكتورأسامة الرفاعي ..
سيأتي يوم تتذكر فيه
دمعة أهدتك الفرح ..
ومنفي أهداك الوطن..
ومركبا كاد أن يحرمك
من السباحة في النهر
لولا رياح عصفت بك ..
ونجما كاد أن يعميك
عن رؤية الطريق
لولا حجر
أسقطك علي وجهك..
أتمني أن تخرج من ديواني وقد
أصبحت أجمل وأرقي
منك لحظة دخولك..
أتمني أن تصبح مصر بك
أكثر روعة وأكثر تحضرا
لأنك تقدر
ومصر تستحق ..
الشاعر فرج الهشوري النمر)
18-3-1977





لن أنسي ما حييت هذا الرجل العظيم الذي أنار لي دربي بكلماته البسيطة..ولا أدري إن كان يحيا أم تغمده الله برحمته..في لحظة مقدسة التقت كلماته برغبة مشتعلة في أعماقي فتوهجت وعرفت ماذا أريد أن يقال عني عندما أفارق الحياة..أردت أن يكتبوا علي قبري (الدكتور أسامة الرفاعي ..إنسان ترك الدنيا أجمل مما كانت عليه قبل مجيئه)..لذا أقبلت علي العمل والمذاكرة بطريقة انتحارية حتي اكتشفت عبقرية الإرادة وعبقرية الاختيار ولذة النجاح والتقدم إلي الأمام والصعود إلي أعلي..وفي سنة الامتياز اكتشفت مواهبي الجراحية..وكدت أن أرقص نشوة حين أصبحت جراحة التجميل تخصصا قائما بذاته في أوائل الثمانينات..هاهي المهنة التي تتماشي مع فلسفتي في الحياة..رفضت القبح بكل معانيه وصوره..الفقر قبح..والجهل قبح ..والتعصب قبح ..والفشل قبح ..والتدخل في خصوصيات الآخرين قبح..والعجز قبح..والحنجرية قبح..ولم يقف شيء في طريقي ..كنت قادرا علي رؤية الأبواب المفتوحة..لأنني أردت أن أراها..وحين قررت الزواج اخترت امرأة جميلة ذات حسب ونسب ودين وإن كانت متوسطة التعليم ..وكانت عند حسن ظني..وكنت عند حسن ظنها..فهمت ظروف عملي وطموحي غير المحدود فساعدتني ..وفي المقابل لم أحرمها من شيء..ولم يحدث أبدأ أن احتقرت تعليمها المتواضع ..لم أبحث أبدا عن الحب الجارف الذي تتحدث عنه الروايات والأفلام..علاقتي بالمرأة كانت دائما في حدود ..لذتي الكبري كانت في حجرة العمليات وفي إلقاء المحاضرات وفي نظرات الإعجاب تنهمر علي من كل حدب وصوب..ونشوتي وأنا أزرع فيهم الحلم والأمل في إمكانية أن يكون كل منهم أسطورة بالأرادة والعزيمة والعمل والنظر إلي النصف الممتليء في كوب الواقع ..اعتبرني البعض منافقا للحزب الحاكم ..وأنني أطمح إلي كرسي الوزارة..ولكنني متي اهتممت بنباح الكلاب..أسامة الرفاعي أكبر من كرسي السلطة نفسه..

بالنسبة لأولادي (أحمد وعلياء)فلا يوجد الكثير لقوله..اعتبرتهم دائما أشخاصا قادرين علي اختيار أسلوب الحياة الذي يجدون أنفسهم فيه..وكان الخلاف الذي ينشب بيني وبيني زوجتي بسبب لامبالاتي تجاههم..أحمد اختارأن يكون مخرجا سينمائيا..وعلياء اختارت أن تتزوج من داعية إسلامي شاب وتتحجب وتجلس في البيت بعد دراسة خمس سنوات في طب الأسنان..أشياء كثيرة تتوقعون أن أترك وصية بشأنها.. ولكنني لن أفعل..مسئوليتي تنتهي بانتهاء حياتي..حياتي التي أغادرها في التوقيت الذي يلائمني تماما..عشت دائما مرفوع الرأس ولم يعرف أحد – حتي أقرب الناس إلي- أنني أعاني من ارتفاع ضغط الدم والبول السكري..أما سرطان القولون فكيف يمكن إخفاؤه وهو كالغول الذي ينهش أحشائي..
أنا الآن مطمئن أنني أديت رسالتي علي أكمل وجه..فوادعا..



40

هناك أناس يموتون فيكون حزنك عليهم حزنا شخصيا وأنانيا بحتا..فأنت تتذكر المسئولية التي كانوا يتحملونها بدلا منك ..وأنك بعد موتهم مضطر أن تبذل مجهودا يفوق بكثير ما كنت تبذله وهم أحياء(مين اللي هيروح لعمتك في العيد غيرك)..لقد انهار السقف الذي كان يحميك من البرد والرعد والعاصفة..لقد احترقت الوسادة التي كنت تسند رأسك عليها في لحظات تعبك
وساعات همومك..وهأنتذا وحيد كشجرة صفصاف ..كطفل تائه في حلم مخيف ..والجميع يضغط علي يدك ويقول بمواساة مفتعلة
- شد حيلك ..يجعلها آخر الأحزان..البقاء لله (عشان البقية في حياتك بدعة وحرام)..
وأنت تعيش هذا المسلسل ..المطلوب منك أن تحزن ليأتي الآخرون لمواساتك ..لحظة تمثيلية فجة ..لحظة المواساة ..لحظة التأمل والخشوع أثناء تلاوة القرآن(الشيخ يفكر في العشوة والورق ابو مادنة والمعزون يفكرون متي ينتهي الربع ومصالحهم المعطلة ..وأنت تفكر متي تنتهي الليلة لتنام بعمق كما لم تنم من قبل)..بلغة السينما حاول تقطيع المشهد إلي ثلاث مشاهد ..المعزون قبل أن يأتوا إلي العزاء..العزاء ..بعد انصرافهم..تخيل القهقهات تتوسطها لحظات حزينةحزنا طفوليا لئيما..تخيل الاسترخاء يتوسطه توتر محسوب درجته..هذا هو موت البشر التقليديين وحزن البشر التقليديين ..أما موت أسامة الرفاعي فهو عظيم بعظمة حياته ونبلها وبطولتها..رجل استطاع أن يعرف غث الحياة من سمينها ..وقشرها من لبابها..وصدفها من لؤلؤها..وعرف كيف يكون راقيا في عمله وفراغه ..وكلامه وصمته ..في حياته وموته ..واقفا عاش وواقفا مات ..حتي السرطان لم يستطع أن يشمت فيه ..أن يستذله ..أن يسمع تأوهاته ويضحك ..ألست تدعي القوة؟هأنتذا أضعف من ضعيف بين يدي كالفقراء والعجزة الذين عشت تحتقرهم وتتجنبهم..اسمك وشهرتك وأموالك ومريدوك لن ينقذوك مني ..وهو يرد بقوة :ايها السرطان الأحمق ..ومن قال بأنني سأستنجد بأحد أوبشيء..كل ما تقول لم يكن يهمني ..كل هذا كان عبدا لإرادتي ومبدأي أن الحياة الضعيفة لالزوم لها ..وقوتي كانت دوما نابعة من داخلي ..لم أصعد إلي قمتي بأسانسير ولم أهبط عليها بباراشوت..بحكمة أسندت سلمي علي الجدارالصحيح وتعذبت كثيرا حتي استطعت وضع قدمي علي الدرجة الأولي وبعدها كانت القفزات..كانت حياتي أشبه بلعبة السلم والثعبان..أصعد ثم يلدغني ثعبان فأهبط وأصعد مرة أخري..والآن سأهبط إلي الأبد ..لذا لأنه لم يعد لي أمل في الصعود سأتوقف عن اللعب..واهزم نفسك أيها السرطان الساذج..
اسمح لي يأستاذي أن أعزي الكون فيك..وأعزي الأرض فيك ..لأنك ياشمس لم تعد
ستخطو عليها...



41

عرفت من فتحي عبد المجيد أن أستاذي انتحربجرعة كبيرة من الأنسولين ..وأنه كان معه في الليلة السابقة لموته عندما كان يصحبه لاستلام نتيجة التحليل من المعمل الشهير في مصر الجديدة ..وأنه اقترح عليه أن يقضيا سهرة مرحة في أحد كباريهات الهرم..بعدها عادا إلي شقة فتحي المطلة علي كورنيش المنيل..كان المرحوم يعتر تلك الشقة فردوسه المفقود بالفوضي التي تملؤها والكتب المتناثرة في كل ركن من أركانهاوسيديهات أشهر المقطوعات الموسيقية العالمية ..وأن له حجرة فيها يكتب فيها يومياته ويستضيف فيها امرأة من حين لآخر لتجديد الدماء في شرايينه..لم يكن التفكير في النساء يشغله كثيرا..وعلاقاته الجنسية لم يكن هدفها المتعة بقدر ماكان هدفها إفراغ شحنة متوترة بداخله ..الكلام مازال لفتحي ..كان يقول له أحيانا
- عارف يافتحي ..أنا ساعات باحسدك علي البوهيمية اللي انت عايش فيها..ضارب الدنيا صرمة ..وعايش عشان مزاجك..ومش واخد الدنيا جد زيادة عن اللزوم زيي..ومع ذلك قادر تبقي شاطر في شغلك ..وشفت الحياة من زوايا كتير ..نسوان وخمرة وديسكو وكتب ورحلات..جايز عشان أهلك ناس أغنيا وعمرك ما شلت هم حاجة..أنا كان لازم ابذل مجهود كبير جدا عشان أوصل للمستوي اللي انت فيه..وعلي ما وصلت بقي ده أسلوب حياتي اللي ما قدرش أغيره..الواد أحمد ابني نسخة طبق الأصل منك ..ساعات يقوللي يابابا استريح بقي واستمتع باللي انت عملته..ومش قادر يفهم إن متعتي في شغلي ..عمري ما ستمتعت بالسهر والصداقات والكلام ده خالص..النجاح كان بيغريني بمزيد من النجاح وهكذا..بس لو رجع بيا الزمن هاختار نفس الطريق اللي مشيته..كل إنسان له الطريق اللي يناسبه ..واللي بيلاقي نفسه فيه..

( معقول ياربي ..حتي أسامة الرفاعي بكل المجد اللي عمله ده وعنده إحساس بالمرارة..أمال انا اعمل أيه ..اللي مش قادر اعمل أي حاجة..تايه ..قدامي ألف طريق مش عارف أروح علي فين..وحاسس إني هابقي زي بابا ..قليل الحيلة ..وهاعيش طول عمري في الضل ..وهافضل ألف في الساقية عشان يادوب اعيش عيشة مستورة..وافضل اتكلم مع الإخوة الزملاء عن سعر كيلو الطماطم وأنبوبة البوتاجاز..هاتجنن عشان أجيب موبايل محترم بكاميرا مش عارف ..ولا شوز توكيل
مش عارف..ويوم ما باخرج مع مزة بابقي عامل زي الكلب اللي مش لاقي متوي..وباخطف البوسة وانا حاسس ببوليس الآداب واقف علي راسي..أسامة الرفاعي حاسس بمرارة وفتحي نفس الإحساس ..أمال أنا اعمل أيه ..احرق نفس ياجدعان بجاز وسخ)